في مجاهل العصور القديمة وفي دياجير حقبها الزمنية الطويلة كانت العلاقات والأعراف السائدة في المجتمعات تعطي الحق للقلائل في المجتمع، لصفوته فقط، ولم يكن هنالك موقع لحقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية ولا لغيرها من الحقوق والحريات.
فقد شهد التأريخ البشري عصوراً مظلمة كان الإنسان يعامل فيها كبضاعة تخضع للبيع والشراء وشهد عصوراً مظلمة أخرى كان يعتبر فيها جزءاً من الأرض التي يفلحها فيباع ويُشترى معها.
هنالك تأريخ طويل لتطور مفهوم حقوق الإنسان عبر العصور، قدمت البشرية خلاله الكثير من التضحيات كي يتبلور في صيغ حضارية تحفظ للإنسان إنسانيته، تشريعاً وممارسة.
لقد وضع الإنسان منذ القدم قواعد لتنظيم العلاقات الاجتماعية بما يتناسب مع نمط الإنتاج الاقتصادي ومع البنية الاجتماعية والعقائدية والفكرية المنبثقة عنه، نذكر منها شريعة أورنمو في سومر في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد وشريعة حمورابي في بابل التي أعقبتها بعد خمسة قرون.
وتشريعات مصر القديمة في عصر إخناتون المقارب زمنياً لعصر بابل، وتشريعات صولون في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد الإغريق، وقانون الألواح الاثني عشر في روما في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وغيرها الكثير في بقاع أخرى من العالم.
كان حق الإنسان في العيش الكريم قضية شائكة بين السلطة الحاكمة وبين عامة الشعب في جميع المجتمعات على مر العصور، فصياغة التشريعات ورسم السياسات كان امتيازاً خاصاً تحتكره صفوة المجتمع، أما سواد الناس فلم يكن أمامهم سوى الخنوع والرضا والقبول بما يُملى عليهم، فتلك التشريعات لا تتحدث عن حقوقهم وإنما تنص على واجباتهم لا غير.
وحين جاءت الأديان في المراحل الزمنية اللاحقة جلبت معها طقوساً وتقاليد وتشريعات إصلاحية كثيرة أسهمت في تحسين وضع الفرد في المجتمع. إلا أن قضية حقوق الإنسان وحرياته بقيت مصدر قلق وأرق لمنظري الحركات السياسية والاجتماعية الإصلاحية في العالم وقادتها، وبقيت موضوعاً على قمة الأولويات في أجندة الفلسفات والأيديولوجيات الفكرية الطموحة.
أما في العصور الأحدث فقد وجدت التشريعات المدنية فسحة أوسع من ذي قبل لتقدم للإنسان آفاقاً أرحب في الحقوق والحريات، وقد سبق الإنجليز غيرهم في هذا المجال عندما وقع ملكهم عام 1215 ميثاق الشرف الأعظم «الماغنا كارتا» الذي قلص من سلطات الحاكم لصالح الأفراد وكان ذلك بداية الطريق الطويل نحو إلغاء الحكم المطلق.
فقد نشر الأميركيون وثيقة «إعلان الاستقلال» في عام 1776، أعقبهم الفرنسيون عام 1789 حين نشروا إعلان حقوق الإنسان بُعَيد انتصار ثورتهم، إلا أن حقوق الإنسان وحرياته لم تصبح قضية عالمية الأهمية إلا عندما تبنتها منظمة الأمم المتحدة، ففي العاشر من ديسمبر 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي أعلى مرجع دولي، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأصدرته.
وطلبت من البلدان الأعضاء كافة أن تدعو لنص الإعلان، وأن تعمل على نشره وتوزيعه وقراءته وشرحه، ولاسيما في المدارس والمعاهد التعليمية الأخرى، دون أي تمييز بسبب المركز السياسي للبلدان أو الأقاليم.
وقد ورد في ديباجة الإعلان، المتضمن ثلاثين مادة، مبرر إصداره: «إن تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وإن غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة».
ومنذ نشر هذا الإعلان تأسست منظمات إقليمية ومحلية عديدة، هنا وهناك، أخذت على عاتقها الدفاع عن حقوق الإنسان، في هذا البلد أو ذاك، وذلك عن طريق توجيه أنظار الرأي العام العالمي وتسليط الأضواء على الانتهاكات التي تجري فيه وفق منظورها الخاص، ووفق أهداف ومصالح لا يخلو بعضها من ابعاد سياسية.
تلقى قضية حقوق الإنسان أهميةً متزايدة في العالَم المعاصر، على مختلف الأصعدة، كان آخرها ما تبنته منظمة الأمم المتحدة في مطلع الألفية الجديدة من أهداف ينبغي على البشرية أن تعمل على تحقيقها في القرن الحادي والعشرين، وهي أهداف لا تخرج عن تلك التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أشرنا إليه، والتي فشلت المنظمة الدولية والأعضاء الموقعون على إعلانها، على مدى ستين عاماً، في تحقيق أبرز ما ورد فيه.
وهو تحرير الإنسان من الفزع والفاقة. إذ توسعت كثيراً، في هذا القرن الجديد، المساحات التي يخيم الخوف والقلق عليها في هذا العالم، ووسعت الفاقة من حجم المنتسبين إلى فضاءاتها.
لقد أغفلت المنظمة الدولية على مدى عشرات السنين هذا الإعلان، مارست خلالها دول عديدة من الموقعين عليه، ولا تزال، أبشع الانتهاكات لحقوق وحريات الإنسان على مرأى ومسمع الأسرة الدولية دون أن تحرك هذه المنظمة ساكناً.
فالإعلان قد خلا من الإشارة إلى ما يترتب على عدم احترامه، تعتبر المطالبة بتنفيذ مبادئ حقوق الإنسان، في الوقت الحاضر، قضية سياسية قبل أن تكون قضية إنسانية، فقد اتخذت الولايات المتحدة من ذلك سلاحاً تستخدمه ضد دول أخرى، روسيا والصين بشكل خاص، بغية تسليط الضغوط عليها وابتزازها وإضعاف موقفها الدولي.
رغم أن النظام العالمي الجديد الذي تتربع الولايات المتحدة على عرشه وتقف عرابة لطروحاته وراعية لأجندته، لم يستطع أن يسعف قضية حقوق الإنسان بما يتناسب مع الحجم الذي تشغله هذه القضية وهي تخرج من أفواه المأخوذين ببريقه والمسبحين بحمده. فها نحن البشر نجد أنفسنا، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في وضع أكثر قلقاً وأقل استقراراً عن ذي قبل من نواح عديدة: اجتماعية واقتصادية وأمنية وفكرية ونفسية.
فالقيم التي تحترم الإنسان وتدافع عن حقوقه، التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قد فرضت على الكثيرين منا، أفراداً وشعوبا، بطرائق مشوهة ومدمرة لمنظومة الحياة التي اعتاد الإنسان في مجتمعاتنا على التعايش معها، ومدمرة لأمنه ومدمرة لروحه كذلك، وأفرزت، ضمن ما أفرزت، أوضاعا سياسية واجتماعية خطيرة تدهورت فيها حقوق الإنسان وحرياته إلى الدرك الأسفل.
نحن بني البشر، في هذا العصر، لدينا جميع العناصر الضرورية لخلق بيئة نتمتع فيها جميعاً بالأمن والسلام، فالأرض تزخر بالثروات، ولدينا القدرات العقلية المتقدمة والمبدعة، ولدينا أساليب عمل تمكننا من استغلال الثروات الطبيعية على أفضل وجه.
ولدينا إضافة إلى ذلك تجارب تزخر بالمرارة استقيت وتراكمت من معاناة الإنسان بسبب الضغائن والعداوات والحروب، نمتلك ناصية العلوم والتكنولوجيا، إلا أن معظم الجهود العلمية توجه نحو تطوير قدرات جديدة إضافية للتدمير بدل أن توجه لتحسين مستوى الحياة والقضاء على مسببات التخلف والفقر والمرض.
لدينا الثروات الهائلة إلا أنها توظف في غير محلها، توظف لخدمة مصالح القلة، لدينا الخدمات الطبية المتقدمة إلا أنها ليست متوافرة لسواد الناس، لدينا مدارس فكرية وتقنية متقدمة في علم النفس قادرة، وبشكل حاسم، على التعرف على جذور الضغائن والعداوات وعلى مسببات الخوف والقلق، ومع ذلك فهنالك الكثير منا يجد نفسه منقاداً إلى الدخول في دوامة التفكير الذي يبعدنا عن رؤية أننا معشر البشر لدينا ما نتفق عليه أكثر مما لدينا لنختلف فيه.
لدينا جميعاً قيم متعددة ومتباينة ومختلفة غُرست فينا منذ الصغر بحكم نشأتنا الاجتماعية وتجربتنا الحياتية، لدينا منظومات معتقدات متعددة، ولدينا أعراق متباينة وتقاليد دينية متعددة، وقيم اجتماعية مختلفة، إلا أن كل هذه الاختلافات تتضاءل أمام ما يجمعنا، وهي القيم المشتركة لنا كبشر، الرغبة في العيش بأمان وطمأنينة وسعادة لنا ولأبنائنا وأحفادنا، لدينا مناهج تفكير إنساني يمكن أن تحول كوكبنا إلى جنة حقيقية، ولدينا حكمة راكمتها العصور وأغنتها عذابات الإنسان، ولدينا إرادات مليارات البشر وليس ملايينه فقط، لصناعة غد أفضل.
لكن ما يعوز عالمنا حقاً هو المنهج والأسلوب لاختيار قادتنا، فعالم اليوم لا يقوده حكماؤه ولا مريدو إنسانيته ولا حاملو رايات مستقبله ولا مفكروه وفلاسفته، بل يقوده من لم ينتم إلى هذه العوالم، يقوده من لا يعرف شيئاً عن هذه الرايات بل من يريد إسقاطها، يقوده من لم ينتم إلى مدرسة الحكمة ولم يرتو من عطائها الإنساني، بل من يريد إسقاطها.
كاتب عراقي