كان ذلك ـ على ما يقول الرّواة والإخباريون ـ من حسن حظ محمد الثاني (1429 ـ 1481). وصل السلطان العثماني إلى مشارف القسطنطينية (أو بيزنطة) فإذا بالمدافعين عنها مشغولون بنقاش عقيم وجدال لفظي حول قضايا لا تسمن ولا تغني، ولا تدفع ضرراً ولا تجدي نفعا.. يستوي في ذلك الجدل حول جنس الملائكة أو حول أسبقية البيضة أو الدجاجة!

لقد أصبح هذا الجدل البيزنطي والتاريخ آية على عقم الجهد الإنساني إذا ظل أسير الحروف ودار في متاهة الكلمات.. والمحلل السياسي لا يملك سوى أن يستعيد هذه الحقبة، القديمة نسبيا من التاريخ الحديث، حين يرصد على امتداد أيام حزيران الحالي دوران الخطاب السياسي ـ الفكري العربي في محاولة تعريف واقعة الانكسار المأساوي التي ألمّت بجيل عربي سبق وأكتوى واكتهل في يوم الخامس من يونيو عام 1967.

وغير معقول أن يعكف الطرف الآخر ـ العدو الصهيوني ـ على استيعاب الدروس المستفادة من تلك الواقعة.. فيما يظل الطرف العربي يردّد ألفاظا ويلوك تعريفات ويصفي حسابات قديمة ويجتر ثأرات ومعارك انتهى أوانها فإذا به يعيد إنتاج مأساة الجدل البيزنطي العقيم في محاولة تعريف ما حدث: هل هو أزمة.. أم نكسة أم نكبة أم هزيمة أم كارثة...؟ الخ.

هكذا اختار الطرف العربي أن يستعيد مشاهد أيام حزيران القاتمة الحزينة التي نيّف عمرها الآن على الأربعين عاما.. بل زادت المأساة تفاقما بفعل الاقتتال الداخلي الذي تسامعت به الأمة والعالم بين أبناء القضية المحورية الواحدة، وهم الذين اكتوت أجيالهم منذ أربعينات القرن الماضي بتلك التراجيديا الوطنية ـ القومية الموصولة بحبال النكبة إلى النكسة، ضياعا للأرض، واحتلالا للتراب الوطني، وإنكارا من جانب الخصوم لما يستحقه المواطن العربي ـ الفلسطيني من حقوق الحرية والدولة وتقرير المصير.

على الجانب العربي من الصراع كان على العرب أن يدركوا بأن ما حدث في صيف 1967 لم يكن مأساة فريدة ألمّت بهم وحدهم بين سائر الأمم والشعوب: النمسا والمجر هزمت في الحرب العالمية الأولى.. اليابان دخلها الجنرال الأميركي ماك آرثر منتصرا وغازيا ومحتلا في آخر الحرب العالمية الثانية.. وقبلها اجتاحت جيوش النازي فرنسا ودخلت عاصمتها باريس أمام اندحار الجيش الفرنسي في عام 1940..

ألمانيا منيت مرتين بالهزيمة ـ النكسة.. النكبة إن شئت في غضون 30 سنة وربما أقل من ذلك من سنوات النصف الأول من القرن العشرين. نعم انكسرت ألمانيا وسقطت إمبراطورية عاهلها غليوم في الحرب الكونية الأولى ـ ثم انهارت ألمانيا من جديد واحتلتها جيوش ستالين من الشرق وجيوش الحلفاء عبر ضفتي الأطلسي من الغرب.. وسويت للأرض بعض المدن الألمانية الزاهرة ـ أو التي كانت كذلك (درسدن مثلاً) ومع ذلك فلم تقعد فصائل وشرائح الأمة الألمانية لكي تلوك ألفاظاً وتبدد طاقاتها في تعريف ما حدث ما بين الهزيمة أو النكسة أو النكبة..

بل شمّر الألمان عن سواعد العمل بالصبر وحولوا مرارات الانكسار إلى جهود إعادة البناء.. فإذا بالرايخ الألماني يعاود النهوض وخاصة بعد هزيمة الحرب الثانية، وإذا بقيادة واعية ومثابرة مقتدرة ممثلة في كونراد أد يناور (1876 ـ 1967) تنجز ما يشبه المعجزة بناءً وتعميراً وانتعاشاً وفي زمن لم يعد يعرف معنى المعجزات، وإذا بألمانيا ـ في أقل من جيلين ـ تتحول إلى محور تجربة الاتحاد الأوروبي ومن ثم تنعم بما يجمع عليه المراقبون بأنه أكبر اقتصاد في أوروبا.

لا تثريب على العرب أن يعاودوا التأمّل في مرارات الهزيمة التي ألمّت بكيانهم وحطمت آمالهم منذ 40 عاماً.. لكن كان، ولا يزال، يتعين عليهم أن يحوّلوا عبرة هذا التأمّل إلى إرادة صلبة وطاقة عمل متجددة تدفعهم إلى مواصلة المسير، وكان على النخبة العربية المثقفة أن تتابع ما يجري على الجانب الآخر من الصراع، وأن ترصد الأصوات التي باتت مسموعة في إسرائيل نفسها وقد حملت نبراتها ميديا الإعلام الإسرائيلي والدولي، وكثير منها ناتج عن عمليات مراجعة بالنقد والتقييم للسنوات الأربعين التي مضت.

ومنها أيضاً ما ينبه إلى أن ما يمكن وصفه بأنه «جدل الفوز الصهيوني» في معارك حزيران، بمعنى أن هناك من يحذر من أضرار وسلبيات يمكن أن تصيب الكيان الصهيوني من جراء استمرار احتلال إسرائيل للضفة والقطاع والجولان، وكأن إسرائيل تضع بين طيات أمتعتها أكثر من قنبلة زمنية موقوتة ـ قنبلة ديموغرافية تتمثل في السكان الفلسطينيين، وقنبلة اقتصادية تتمثل في مطالب شرائح متزايدة من البشر.

وقنبلة أمنية تجسدها الأجيال الطالعة والغاضبة من الشعب الفلسطيني التي فتحت عيونها على أحياء الشقاء في المدن وتدمير البنى التحتية وهدم البيوت وإتلاف الزروع في الأرياف وحياة الشظف اللا إنساني في مخيمات اللجوء. في إطار هذه المتغيرات يصدر كتاب مهم بعنوان «1967» بقلم الكاتب الصحفي الإسرائيلي توم سيجيف. وهو كتاب نرى أن الاطلاع عليه (بعد ترجمته مؤخرا إلى الانجليزية) واجب على القوى والدوائر المهتمة بالشأن القومي والفلسطيني.

سواء على مستوى المسؤولين أو على مستوى الانتلجنسيا العربية المثقفة والمهتمة بالشأن العام. وصاحب الكتاب ينتمي إلى ما يوصف في إسرائيل بأنه «جماعة المؤرخين الجدد» وهي الجماعة التي ندبت نفسها إلى مراجعة، وأحيانا إلى تفنيد، المقولات ـ والغيبيات والأساطير التي قامت عليها أسس المشروع الصهيوني في قلب منطقة الشرق الأوسط.

وها هو الكاتب الأميركي إيثان برونر (نيويورك تايمز، عدد 18/ 6) يصف الكتاب بأنه يرسم صورة مثيرة ولكن مدمرة للغاية لمجتمع (إسرائيل) الذي بات فريسة للهواجس والتشكك.. حيث لا يجادل احد في أن الاحتلال الإسرائيلي (للأرض الفلسطينية) يتسم بالقسوة ويفضي إلى نتائج تعود بالسلب والضرر حتى على صانعيه.. مما أدى إلى تأخير بالغ في فرص التعايش السلمي بين الطرفين.

من ناحية أخرى تؤكد «الإيكونومست» البريطانية (عدد 26 ـ 5) أن أهم درس مستفاد من حرب 67 هو أن الصهيونية أدركت ضرورة التخلي عن حلمها القديم الذي كان يحمل اسم (إسرائيل الكبرى: من النيل إلى الفرات)، في نفس السياق كتبت مجلة «نيشن» الأميركية عن تسبّب الاحتلال الإسرائيلي، عبر سنواته الأربعين في انهيار المجتمع المدني في الضفة والقطاع، وعن الحصاد الذي يحدق بالشعب الفلسطيني في انتهاك سافر وصريح للقانون الدولي .

حيث يستهدف الاحتلال الصهيوني محاصرتهم في سلسلة من المعازل (الجيتو) المعسكرة المنشأة على طول جدار الفصل العنصري وهو المشروع المقرر أن تصل تكلفته، كما تضيف المجلة الأميركية، إلى 2 مليار دولار فضلا عن أن يلتهم نسبة 10% على الأقل من مساحة الضفة الغربية بما في ذلك معظم المواقع الثمينة من مستودعات المياه الطبيعية و40 ألف فدان على الأقل من الأراضي الزراعية المملوكة للفلسطينيين.

«لا بد إذن من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الآن فأربعون عاما من الاحتلال تكفي». هذا هو بالضبط عنوان الإعلان المنشور بالبنط العريض على صفحة كاملة في جريدة نيويورك تايمز (عدد 10 ـ 6 الحالي) وفي الإعلان دعوة إلى تجميع الصفوف والاتصال بأعضاء الكونغرس للمطالبة من جانب الدوائر والفعاليات الأميركية بإنهاء الاحتلال وانتقاد مرشحي الرئاسة بالذات عند الحزبين الجمهوري والديمقراطي الذين ما زالوا ساكتين عن الحق دون أن يرتفع لأي منهم صوت ـ .

كما يضيف الإعلان المنشور للحديث ـ مجرد الحديث عن «احتلال إسرائيل العسكري الوحشي» الذي اكتمل عمره 40 عاما. ولكي يقتنع الناس بالمضمون فإن الإعلان يركز أساسا على المصلحة القومية الأميركية بالدرجة الأولى ولهذا تتصدّره كلمة للسفير الأميركي تشارلس فريمان وردت ضمن خطاب ألقاه السفير يوم 24 مايو الماضي في معهد واشنطن للشؤون الخارجية وقال فيها بالحرف: لن تكون هناك مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين .

ولن يكون هناك سلام... ولا تخفيف من وطأة الإرهاب المعادي للأميركيين إلا عندما نمتلك الشجاعة لكي نتصرف طبقاً لمصالحنا الأميركية... وهي لا تتطابق مع مصالح أي طرف في المنطقة بما في ذلك إسرائيل. ومن ثم فإن علينا أن نتكلم مع جميع الأطراف... أيا كان رأينا في تلك الأطراف.

كاتب مصري