انتهت أولى جولات الحوار بين المغرب وجبهة بوليساريو حول الوضع في الصحراء الغربية التي انعقدت في نيويورك ولم تتوصل هذه الجولة إلى أية نتائج ملموسة، أي انه لم يحدث جديد على صعيد المسألة الصحراوية فقد اتفق الجانبان بعد هذه الجولة من مفاوضات على الدخول في جولة جديدة من المباحثات في أغسطس المقبل.

وقد تمسك كل من الطرفين بموقفه التقليدي حيث حاولت المغرب ان يكون خطة الحكم الذاتي المعدلة التي طرحتها منذ ما يقرب من الشهرين هي الإطار الذي يتم التفاوض عليه في الوقت الذي اصر الطرف الصحراوي على أن يكون حق تقرير المصير للسكان الصحراويين من القضايا المطروحة للتفاوض.

وبغض النظر عن عدم التوصل إلى نتائج ايجابية وملموسة في هذه الجولة إلا إن موافقة الطرفين على التفاوض المباشر وبدء العملية بالفعل تعد مكسبا مهما ونقلة نوعية في مسار المسألة الصحراوية تستدعى الاهتمام خاصة وان الجولة نفسها رغم اختلاف الطرفين على نحو كبير لم تصل إلى طريق مسدود وإنما سوف تستكمل بجولات أخرى يمكن ان يبدي فيها الأطراف المرونة اللازمة لكي يتم التوصل إلى حل في نهاية المفاوضات التي قد تصل مدتها إلى شهور أو سنوات مثلما حدث في قضايا أخرى مشابهة من تلك المتعلقة بتصفية الاستعمار.

ومن المهم الإشارة إلى إن اتفاق الطرفين على استمرار المفاوضات، على الرغم من تمسك كل منهما بمواقفه التقليدية بشأن المسألة الصحراوية، يعني أنهما يدركان إن هناك رغبة دولية في إيجاد حل لهذا النزاع، وادراكهما أيضا أن القوى الدولية تريد التوصل إلى حل نهائي وبالتالي فهي سوف تضغط في مرحلة مقبلة عليها من اجل فرض حل قد يكون عن طريق مجلس الأمن .

وهذا الأمر أي فرض حل عبر مجلس الأمن طرح من قبل في خريف عام 2005 واستدعى استنفار القوى المغربية التي اتصلت بالقوى الدولية ذات الصلة مثل الولايات المتحدة من اجل الحيلولة دون فرض الحل عبر مجلس الأمن وهو ما أدى إلى تصريح من الرئيس الأميركي جورج بوش شخصيا يستبعد فيه هذا الخيار حيث أعلن تأييده للموقف المغربي على اعتبار إن المغرب حليف تقليدي للولايات المتحدة.

ومن المفيد الإشارة إلى إن موقف كل من الطرفين خلال الجولة الأولى من المفاوضات لا يمكن التعويل عليه جيدا فيما يتعلق بسير التفاوض في المرحلة المقبلة، ذلك أن كل طرف كان يدرك ان هذه الجولة لابد وان تتبعها جولات أخرى عديدة.من هنا فإن المواقف التي طرحت خلال هذه الجولة لا تتعدى تقديم الحد الأقصى المطلوب من كل طرف وبالتالي فإن ما طرح على مائدة المفاوضات لم يتعد المناورة السياسية أكثر منه التعبير عن موقف محدد للطرف الذي طرحه.

وهذا الأمر يعني أن التنازلات التي سوف يقدمها كل طرف يمكن أن تطرح في الجولة الثانية لأن عدم طرحها يمكن إن يدفع الطرف الدولي إلى ممارسة ضغوط قد تتمثل في الإعلان عن توقف المفاوضات أو إلغائها. أي أن الأطراف لم تتمترس وراء مواقفها المسبقة وإنما تناور من اجل تحقيق اكبر قدر من المكاسب في جولات التفاوض المتعددة.

والذي يؤكد ما نذهب إليه أن الأطراف لم تكن تذهب إلى مائدة المفاوضات من الأساس لو لم تكن تدرك أن عليها أن تتنازل عن قدر ما من مواقفها الثابتة، اللهم إلا لو كان التفاوض نفسه لم يكن إلا مناورة من الطرفين الأساسيين في المسألة الصحراوية .

وهو ما نستبعده لأن التفاوض لو كان مناورة لكان الطرف الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة والقوى الدولية التي ضغطت من اجل المفاوضات مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية قد أدرك هذا الأمر من البداية ولم يكن ليورط نفسه في هذه المناورة.

أي أن حسابات الأطراف الدولية أشارت إلى أن هناك جديداً لدى الأطراف يمكن أن يقدموه، ولا يستبعد المرء أن تكون هذه الأطراف قد حصلت على ضمانات من الأطراف الرئيسية حول استعدادها للمرونة وهو ما دفعها لأن تمضي قدما في الإشراف على ورعاية المفاوضات بين المغرب وجبهة بوليساريو حول مستقبل المنطقة الصحراوية.

وبالطبع فإن كل من الطرفين الرئيسين في المفاوضات له خريطة تحالفات إقليمية ودولية وهو بالتالي يستثمر هذه الخريطة في تعزيز موقفه في الجولات المقبلة من المفاوضات. وهذا الأمر يعني أن الفترة المقبلة وحتى موعد الجولة الثانية سوف تشهد اتصالات وضغوطا ومناورات من الأطراف ذات الصلة بالمسألة الصحراوية حتى يعزز كل طرف موقفه وحتى يخرج بأقل قدر من التنازلات وهو ما يعني أن الأطراف الخارجية ستدلي بدلوها في الموضوع محل التفاوض وقد تصبح المسألة الصحراوية مكشوفة أمام التدخل الخارجي في المرحلة المقبلة.

والأمر الجدير بالإشارة هو انه ليس من المتوقع من الآن وحتى موعد الجولة المقبلة أن تحدث أية تغييرات في مواقف القوى المعنية بالمسألة الصحراوية يستطيع أي من الطرفين أن يراهن عليها، مثل أن تجرى انتخابات في أي دولة تأتي بحزب يتخذ موقفا مختلفا عن الحزب الحاكم حاليا، بما يعني أن الطرفين المعنيين لن يضيعا أي وقت في انتظار الجديد وإنما لابد وان تكون الاتصالات التي يجريانها من اجل تدعيم مواقفهما قد بدأت بالفعل.

ومن خلال تطورات المسألة الصحراوية وإدراكنا لأن الأطراف المعنية بها قد أنهكت وهى لابد وان تسعى للبحث عن حل يحفظ ماء الوجه لها إزاء هذه المسألة، وأيضا من خلال تطورات الجولة الأولى من المفاوضات نستطيع القول ان عدم التقدم في الجولة الأولى لا يعني على الإطلاق أن الأمور سوف تسير على نفس النهج وإنما سيطرأ الجديد في جولات مقبلة وليس في الجولة المقبلة.

لأن إحدى الآليات التي يلجأ لها الأطراف حاليا هي اختبار مدى قدرة الطرف الآخر على ضبط النفس إزاء أي استفزاز وأيضا اختبار مدى طول نفس الخصم، وفي مرحلة الاختبارات هذه سوف تستطيع الأطراف أن تبني الثقة المشتركة مع الطرف الآخر وهذا الأمر مطلوب وضروري من اجل حل المسألة حلاً نهائياً.

كاتب مصري