لم تمر حلقة واحدة من أحاديث محمد حسنين هيكل التلفزيونية الأسبوعية إلا وربط فيها بين الأوضاع على الساحات الثلاث الدولية والإقليمية والمحلية، وربما لم يمر حادث ذكره هيكل داخل مصر أو غيرها من البلدان إلا وكان له أبعاد على الساحات الثلاث، وما يفعله هيكل في طرحه وشرحه وسرده للأحداث بهذه الطريقة هو الأسلوب الصحيح والعلمي والموضوعي الذي نحتاجه نحن العرب جميعاً في وقتنا الحاضر، فبدون دراسة وفهم الأوضاع الدولية والإقليمية لا يمكن فهم ما يحدث محلياً.

لا يمكن لنا أن نفهم ما يحدث في العراق دون فهم صحيح للسياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة الأميركية ودون وعي بالصراعات الدولية على مصادر الطاقة ومناطق النفوذ والهيمنة، وأيضاً دون فهم للتطور التاريخي للأحداث الدولية والإقليمية على مدى ثلاثة عقود مضت، ولا يمكن فهم تطورات الأحداث في لبنان بدون فهم التداخلات الخارجية وموازين القوى الدولية والإقليمية، وأيضاً القضية الفلسطينية بكل تداعياتها وتطوراتها الداخلية.

وكذلك ما يحدث في السودان وفي ليبيا ومصر والسعودية وغيرها من البلدان العربية، لا يمكن لنا أن نفهم ونستوعب ما يقع فيها من تطورات للأحداث بمعزل عن دراسة الأبعاد التاريخية والجغرافية لهذه الأحداث، وبما أن المنطقة العربية تشكل وحدة واحدة في الاستراتيجيات والسياسات الدولية وتتفاعل فيها معظم، إن لم يكن كل المصالح الدولية فإنه لا يمكن لنا استيعاب وفهم ما يحدث فيها بمعزل عن دراسة وفهم ما يحدث على الساحة الدولية.

ما نقوله هذا ربما يبدو أنه تحصيل حاصل أو أمر بديهي لا يحتاج لنقاش، ولكن ما نراه في بلداننا العربية بالتحديد من قراءات وكتابات وتحليل للأوضاع وأطروحات للقضايا ومواجهات للمشاكل لا يطابق ولا يتفق مع هذه البديهية البسيطة، حيث نجد معظم التحاليل والقضايا المطروحة غارقة ليس فقط في المحلية بل يمكن القول حتى انها غارقة في الخصوصية الأضيق من المحلية.

هذا على الرغم من أن كل ما يحدث الآن في بلداننا العربية من صغيرة أو كبيرة يمكن بسهولة أن نجد له أبعاداً وخلفيات دولية وإقليمية، ولو استعرضنا على سبيل المثال معظم الكتابات والتحليلات حول القضايا المثارة على ساحة بلد عربي كبير مثل مصر سنجدها شبه خالية من أي أبعاد دولية أو إقليمية، بل ربما نجدها بعيدة حتى عن الأبعاد والقضايا المحلية الواقعية، وسنجد أن هذه القضايا في حد ذاتها هي أطروحات دولية خارجية ألقيت في الساحة المصرية وغيرها من الساحات العربية لأسباب تخدم أهدافاً ومصالح خارجية.

لقد انشغلت النخبة السياسية العربية بقضايا مثل الديمقراطية والإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحرية الرأي وغيرها من القضايا التي ملأت الساحة صخباً وضجيجاً وأصبحت دون غيرها الشغل الشاغل للنخبة السياسية، وكأن هذه القضايا لم يكن لها في بلادنا وجود من قبل، أو كأن النخبة السياسية بمحلليها وكُتّابها ومنظريها ناموا سنوات طويلة ثم أفاقوا فوجدوا الديمقراطية قد اختفت والنظام السياسي قد اعوج.

ويجب إصلاحه وأن حقوق الإنسان قد ضاعت، ولم يسأل أحد منهم نفسه لماذا في هذا التوقيت وهذه الفترة بالتحديد تطرح هذه القضايا ومن الذي طرحها، و ما هي أهدافه ؟، ولم يسألوا أنفسهم هل هذه هي فعلاً القضايا والمشاكل الرئيسية التي تواجهها مجتمعاتنا ؟ إذا كانوا يرون أن هذه قضايا مجتمعاتنا فعلاً فلماذا لا تنفعل و تتفاعل معهم هذه المجتمعات ؟

قد تكون قضايا الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان وغيرها هامة فعلاً بدرجة أو بأخرى، ولكن هل يمكن لمثل هذه القضايا أن تشغلنا عن قضايا الفقر والمرض والبطالة والقهر الاجتماعي والتخلف الاقتصادي وانتشار الجريمة والمخدرات وغيرها ؟ وهل ممكن أن تشغلنا عن الحرائق المشتعلة حولنا في العراق ولبنان وفلسطين والسودان ؟

كل هذه القضايا لها أبعاد دولية خارجية إذا لم نستوعبها جيداً نضل الطريق وتصبح مجتمعاتنا وبلداننا في خطر، وإذا لم نفهم مدى قوة وفاعلية التداخلات والضغوط الخارجية على مجتمعاتنا ومصالح القوى الكبرى في منطقتنا ستزداد أحوالنا سوءاً وستلحق بنا المصائب والنكبات.

كل ما ذكره هيكل في أحاديثه عن مشاكل العرب الداخلية والإقليمية كان العنصر الأجنبي ومصالح الدول الكبرى تلعب فيه دوراً كبيراً إن لم يكن الدور الرئيسي، حتى مشاكل الفقر والبطالة والمرض وأيضاً مشاكل الديمقراطية وفساد الأنظمة الحاكمة والضغوط على الأنظمة الوطنية.

وأعتقد أن معظم النخبة السياسية العربية وخاصة المصرية منها من المعارضة وغيرها استمعوا وتابعوا أحاديث هيكل الأسبوعية كل خميس، ولكن على ما يبدو أنهم تعاملوا معها و كأنها حواديت وحكايات من تاريخ ولى ومضى، رغم أنه لا تمر حلقة واحدة منها إلا و يربط هيكل أحداثها بما نعيشه الآن، ولكن على ما يبدو أنه فعلاً (كمن يؤذن في مالطة).

elmoghazy@hotmail.com