بدلاً من حالة جلد الذات التي تعاظمت إثر الأحداث الأخيرة في غزة علينا أن نقرأ ونستخلص العبر من أحداث الماضي القريب في الصراع مع إسرائيل لأن هذا الصراع المفتوح يشبه حلقات تكمل بعضها بعضاً وقد تتشابه بعض الحلقات وتكرر الأحداث نفسها بشخوص مختلفة ويقع العرب في نفس الأخطاء وكأننا بأدمغة رملية لا نراكم خبرات ولا تؤثر فينا أحداث التاريخ حتى تلك التي نعيشها بذواتنا.

في هذا السياق تنشر صحيفة الشرق الأوسط للكاتب نظير مجلي قراءة على حلقات في وثائق إسرائيلية رفع الحظر عنها مؤخراً وأهمها تقرير لجنة غرانات وهي لجنة تحقيق تشكلت في إسرائيل عقب الهزيمة المرة التي مُنيت بها عام 1973 وأدت تقاريرها الأولية إلى إحداث هزات سياسية عنيفة في المجتمع الإسرائيلي.

أولى العبر التي يخرج بها قارئ الوثائق التي أميط اللثام عنها أننا أمام مجتمع يراجع نفسه فلا عصمة لمسؤول سياسي مهما علا قدره ومهما قدم من خدمات للدولة.. الجميع يحاسب ويجازى على التقصير أو الحسابات الخطأ وذلك في مواجهة مجتمعات عربية تكون الهزيمة فيها بحد ذاتها أقوى مبررات بقاء النظم فالعقلية العربية بتركيبتها الأبوية الملعونة قادرة على امتصاص أي كوارث والاستمرار كأن شيئاً لم يكن فلم يحدث أن أقيلت حكومة أو أعلن نظام تنحيه طواعية وتمسك بهذا التنحي على كثرة ما لحق بالعالم العربي مجتمعاً وبكثير من دوله فرادى من هزائم.

والثانية أن الرهان على المجتمع الدولي والقوى الكبرى إهدار للوقت وكذلك الأمر بالنسبة لعمليات التفاوض السياسي التي سئم منها الناس وخاضتها الأنظمة باستعذاب شديد وكأنها هدف لذاتها ليس شرطاً أن تتمخض عن شيء. ففي مذكرات ابا ايبان وزير الخارجية الإسرائيلي السابق عبارة بالغة الدقة في وصف ما يجري على امتداد العقود السابقة حيث يقول:

إن العرب استطاعوا عادة »الفوز بانتصارات في التصويت في مؤسسات الأمم المتحدة والخطابات التي تسبقه ترافق عادة بصخب كبير، لكنها لا تستطيع تحريك جندي إسرائيلي من مكانه. وهكذا بات الطرفان في وضع يحصل فيه العرب على قرارات وإسرائيل تُكرّس وجودها على الأرض.

كما أن موقف الإدارة الأميركية التي ظللنا نراهن عليها لعقود حتى تتدخل وتضغط حتى تتكرم إسرائيل وتعيد ألينا ولو جزءاً يسيراً من حقوقنا واضح جلي منذ عهد جونسون لكننا لا نرى، فأمن إسرائيل وبقاؤها وتفوقها تأتي قبل كل شيء وظل منطق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون هو القاعدة التي لا تحيد عنها الولايات المتحدة .

وتمثل ذلك في تصريحه بأن على الجنود الإسرائيليين ألا يتركوا أياً من الأراضي المحتلة (عام 1967) قبل أن يتم انجاز اتفاق سلام ملزم للجميع ومرضٍ لإسرائيل. ومن ثم فإن الرهان على اللجنة الرباعية وما قد يبدو من مساندة دولية وإقليمية لسلطة أبومازن إنما هو خداع للنفس وقد يتفاوض أحفاد أبومازن على الموضوعات عينها وربما يستخدمون نفس العبارات التي يستخدمها هو اليوم.

العبرة الثالثة أن إسرائيل تنتصر حينما تكون خائفة وتهزم في الوقت الذي تستسلم فيه لعنجهية وغرور قادتها فقبيل حرب يونيو 67 شاعت مقولة مفادها: آخر من يغادر مطار اللد يطفئ نور الكهرباء، وقبيل حرب 73 ذاعت نكتة تقول إن ضابطين إسرائيليين مصابين بالملل، قال أحدهما للآخر: أنا أقترح لكسر الملل، أن نحتل القاهرة. فأجاب الآخر: نعم، ولكن هذا لا يكفي لكسر الملل. فماذا سنفعل بعد الظهر؟.

العبرة الرابعة أن مجتمعات عربية غاضبة .. تعاني من دكتاتورية قادتها وظلم نخبها الحاكمة لا يمكن أن تنتصر، فقصة منير الردفة الطيار العراقي الذي هرب بطائرته ميج 21 والتي كشف عن تفاصيلها فيلم وثائقي إسرائيلي أذيع مؤخراً وفرت لإسرائيل وللغرب أسرار تلك الطائرة لأول مرة وهذا لم يضعف العرب وحدهم .

وإنما أضعف نصيرهم (الاتحاد السوفييتي) خلال الحرب الباردة وجعلت موسكو تتردد ألف مرة قبل أن تمنح سلاحاً متقدماً لأي طرف عربي. وكانت بداية غضب الطيار العراقي أنه أرغم على إلقاء متفجرات على قرى وبلدات كردية في شمال العراق وحين قبض 50 ألف دولار من الموساد قال انه يعرف أن بإمكانه قبض مبالغ أكبر بكثير من هذا ولكنه لم يفعل ذلك من أجل المال بل من شدة حقده وغضبه على النظام الحاكم.

والخامسة التي يستقيها القارئ من الوثائق الإسرائيلية أن إسرائيل لن تعدم الذرائع في صراعها مع العرب فلأجل السيطرة على مصادر المياه التي تقع في الأراضي السورية يقول موشيه دايان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق : كنا نرسل جرافة إلى الأراضي السورية وننتظر أن يطلق السوريون عليها النار، فإذا لم يفعلوا، كنا ندفع الجرافة عميقاً أكثر حتى تثور أعصاب السوريين، فيطلقوا النار. هم يطلقون رصاصة ونحن نرد بالمدفعية وفي بعض الأحيان بسلاح الجو.

magdishendi@hotmail.com