لعبت المساجد باعتبارها دوراً للعبادة وللعلم، دوراً كبيراً في تنمية روحانية الفرد المسلم وتثقيفه واشتهرت في شتى بقاع العالم الإسلامي وعلى مدى قرون بأن شكلت المنارات التي تزدان بطلاب العلم، وتحولت بفعل الإقبال على الدروس والحلقات التي تقام في فناء المسجد إلى جامعات معترف بشهادتها.
ولم يقتصر تلقي العلوم على الدروس الدينية بقدر كونها مدارس فكرية وعلمية واجتماعية، خرّجت الكثير من الأساتذة في العلوم النقلية والعقلية على حد سواء قرابة ألف عام، من فقهاء ومحدثين وعلماء في الطب والهندسة والرياضيات والفلسفة والفلك والأدب وغيرها من علوم الدين والدنيا.
وحين نتذكر ابرز هذه الجوامع لا بد أن نتقاطع مع المواقف التي تركت بصمة في وجدان الفرد وخلدها التاريخ، فحين غزا الفرنسيون مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م أشعل علماء الأزهر الثورة ضدهم من داخل الأزهر الشريف والتي عرفت بثورتي القاهرة الأولى والثانية، بعدما دخلت قواته بالخيول صحن الأزهر وألقت بالمصاحف وعاثت فيه إفسادا وضرب الجامع بالمدافع من فوق القلعة.
وكانت هذه الواقعة قد عجلت بانسحاب الفرنسيين من مصر، وفي عام 1956م قام الرئيس جمال عبدالناصر فوق منبر الأزهر ليعلن القتال ضد العدوان الثلاثي. أما في المغرب العربي فيعد جامع القيروان من أقدم مساجد المغرب الإسلامي والمصدر الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية، كما كان هذا المسجد ميدانا للحلقات الدينية والعلمية واللغوية التي ضمت نخبة من أكبر علماء ذلك العصر.
وفي عصر الحكم المستنصر أحد أهم خلفاء الدولة الأموية بالأندلس والذي ازدهر عصره بازدهار العلوم والآداب في قرطبة بصورة كبيرة، وعرف عنه حبه للكتب، فكان يبعث رجالاً بأموال طائلة لاستجلاب نفائس الكتب إلى الأندلس، وأنشأ مكتبة قرطبة التي وصلت محتوياتها إلى أربعمئة ألف مجلد، وقد شهد التعليم في عهده نهضة عظيمة، فانتشرت بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة.
بينما كان لا يعرفها أرفع الناس في أوروبا باستثناء رجال الدين، وبَنَى «الحكم» مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع وتدرس في حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة، وقد احتلت حلقات الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه منصب الأستاذية اليوم في مجالات علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنحو.
أما جامع عمرو بن العاص فكان قلب الفسطاط الفكري ومهد الحركة العلمية في مصر والذي كان يشهد مئات الزوايا العلمية، ولا ننسى الجامع الأموي في دمشق وجامع المنصور في بغداد، وكأن هذا التاريخ الحافل بالانجازات العظيمة لطلاب العلم والعلماء الذين تخرجوا من فناء المسجد تستدعي العودة للمقارنة بين حال الأمس وحال المساجد اليوم التي لا يعمرها إلا ثلة من المواظبين على أداء صلاة الجماعة، وغابت حلقات الدرس عن اغلبها ولم تعد هي المربي والملهم.
لذا أصبح من الضروري مع هذا التغييب المتعمد لدور المسجد إعادة الحياة لهذا المكان الطاهر ليقوم بدوره في بناء الحضارة وصناعة الحياة، بل إن الهجمة التي يتعرض لها المسجد أصبحت إحدى أهم الاستراتيجيات لمحاربة من يعرف بالإرهاب الديني الذي أُشيع انه يستفرخ في فناءات المساجد.
وأصبح كل ما يتعلق بالمسجد متهما وربما مطاردا أيضا، وكان الالتفاف على قيمة المسجد في حياة المسلم وزعزعتها هدفا تعمل بعض الحكومات على ممارسته يوميا لدرجة النجاح في بعض البلدان، فتحول دور الإمام والخطيب التاريخي والرائد إلى مجرد وظيفة اقتصرت على إقامة الصلاة والتحدث في أمور سطحية ومناسبات غلّفت بالدينية، وابتعدوا عن تبصير الناس بما يعينهم على تحمل تغيرات الواقع التي أثّرت بشكل جوهري على تعاطيهم الروحاني وقلّصت الاهتمام بمواكبة الدين بالدنيا لدرجة الحدّة في تغليب الدنيا على الدين.
ومع هذا الاضمحلال المبالغ في تراجع دور المساجد كأحد أهم العناصر التي تربي الفرد المسلم وتساهم في تثقيفه والاهتمام بتعليمه وزيادة وعيه، برز الفراغ الذي لا يزال يسيطر على رتم حياة شريحة واسعة من الشباب، ولم يخلق البديل الروحاني والعلمي الذي يمكن أن يحقق الموازنة بين الروح والعقل، لذا اتجه السياسيون إلى تقديم بدائل سيئة لهذه الشريحة المندفعة في تلقي الإغراءات، وساهمت السياسات في زيادة تسطيح الفرد المسلم وإقصائه عن الاهتمام بقضاياه.
ولا يمكن المزايدة في هذا الجانب على المفاضلة بين دور الحركات التنويرية والأحزاب الفكرية وبين دور المسجد، لكن اغلبها غيّب الجانب الروحي واكتفت بمنطق الوجودية والتقليد، بل ساهم هؤلاء في الترويج لفكرة «أفيون الشعوب» الذي لا بد من محاربته بدلا من التركيز على محاربة الممارسات المغلوطة، وأجهضوا بذلك تاريخ المساجد الحضاري في تنوير واستنهاض العقول، ووضعوا الجميع في سلة واحدة دون أن يطرحوا البديل.
ومع الهجمة الضروس التي تشهدها الأمة الإسلامية والتي أعلنت بما لا يدع مجالاً للشك أنها تستهدف في صميمها هدم الدين وزعزعته في نفوس المسلمين والعمل على تغييبهم وتسطيحهم وإشاعة غربتهم عن إسلامهم، وأصبح العراق نموذجا لهذه الهجمة .
وما يفعله الأميركان الآن وبخاصة من استهداف العلماء المسلمين وكل من تسوّل له نفسه التسوّر بالمسجد، لدرجة التقتيل والحرق والإبادة الجماعية، مما يضع حسابات جديدة لنوعية الحروب التي تشن باسم محاربة الإرهاب، التي ألحقت العار بالعالم الإسلامي الذي وقف متفرجا على ما يعرف بالحرب الصليبية الجديدة .
والتي أعلنها بوش بزلة لسان وعبرت عن مكنونات بعيدة في تجلياتها، وحتى لا تتهم العقلية المسلمة بعقلية المؤامرة التي تسيطر على توجهاتها، فإن القراءات المتمعنة للسيناريوهات الأميركية التي تعمل على تقسيم متأن للخارطة الإسلامية يمكن أن تشي ببعض الحقائق الغائبة والتي من أسف يعرفها الجميع ولم تعد سرا.
ولعل من المؤلم التعود على استمراء الواقع وتمريره دون أن تلوح في الأفق بشائر لتغيير هذا الواقع الذي يفرط في دحض الحقيقة ويتمسك بالزائف والغث، ومصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «القابض على دينه كالقابض على الجمر» فإن المسلم الآن محاصر بآلاف الأسئلة ويكون مراقبا لو فكر فقط في إطالة المكوث في المسجد.
كاتبة إماراتية