في أخبار العالم اليومية هناك ما يضحك وهناك ما يبكي وهناك الاثنان معاً...
1) أما ما يضحك فهو ما بثه التلفزيون البلجيكي مؤخرا للمؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الفرنسي في السابع من هذا الشهر وفي نهاية انعقاد مجموعة الثماني في ألمانيا. فقد صعد الرئيس الفرنسي المنتخب إلى المنصة وهو يلهث بطريقة غريبة.
وكان مرتبكا جدا، ثم بدأ وهو يفتقد إلى التركيز بالاعتذار إلى الصحافيين عن تأخره بسبب لقائه المطول مع نظيره الروسي بوتن. ثم توجه بسؤاله إلى الصحافيين قائلا: «ماذا تفضلون؟ أن أجيب على أسئلتكم؟ إذن؟ هل هناك أسئلة؟» وتفوه ببعض الكلمات غير المفهومة، مما جعل البعض يتهمه بأنه كان مخمورا.
2) ورغم نفيه القاطع، إلا أن الفرنسيين المعروفين بفضولهم الشديد نشروا تلك اللقطات على عدة مواقع الكترونية ومنهم من شعر بالحرج بأن يظهر حاكم فرنسا وفي اجتماع بهذه الأهمية على هذه الهيئة مقارنة بعظماء فرنسا المدفونين في مقبرة البانثيون أمثال شارل ديغول وبومبيدو وميتران!
ومنهم من علق بأن ساركوزي قد جعل من فرنسا أضحوكة، ومنهم من قام عن طريق المونتاج بإلصاق لقطات لساركوزي في احدى حملاته الانتخابية بينما قام أحدهم بصفعه بكعكة كريما في وجهه، فولي الأدبار! وكأنه يريد أن يقول: (مبروك علينا يا فرنسيين! هذا هو الرئيس الذي انتخبناه؟)!
أما الأمر المبكي المضحك فهو أننا كنا دائما نتهم الإعلام العربي بإخفاء الحقائق، وإذا بالإعلام الفرنسي ليس أحسن حالا. فبينما بثت القناة البلجيكية الحدث، أخفت القنوات الفرنسية هذه اللقطات! لولا مواقع الانترنت التي نشرتها بتفاصيله المملة وبتعليقات ساخرة.
وفي حقيقة الأمر، فإن كثيرا من دول العالم (المتحضر) تخفي الحقائق عن مواطنيها. فما زالت أجهزة إعلام دول التحالف مثلا في حربها على العراق تخفي حقيقة ما تواجهه من محنة في مواجهة المقاومة والفوضى وتخفي أهداف تلك الحرب. وأي صوت يحاول أن يفضح الحقيقة المرة أو يعارض تلك الحرب يشكك في وطنيته وتتم محاربته أو يتهم بمساندة الإرهاب.
2) أما الأمر المبكي فعلا... فهو ما يحصل منذ فترة بين فتح وحماس. لقد نشأنا وتعلمنا فيما يبدو على أفكار مغلوطة. فكنا منذ الصفوف الأولى في المدارس الابتدائية ننشد (وطني حبيبي وطني الأكبر يوم ورا يوم أمجاده بتكبر وانتصاراته مليا حياته). وكنا نصرخ مع الفلسطينيين (بالروح بالدم نفديك يا فلسطين).. وكنا ندفع ضريبة طابع المجهود الحربي الفلسطيني بكل حب.
وكنا نكتب الأشعار والقصص والمسرحيات ونرسم اللوحات التي تمجد الفلسطيني الأبي والمقاومة الفلسطينية، ونضرب المثل بليلى خالد، تلك الشابة التي صحصحت المجتمع الدولي الذي لم يسمع قط عن الفلسطينيين المشردين في الخيام وعرفت الجهلة بأن هناك قضية عالقة وشعبا بلا وطن وأمة تداس بالأقدام، وكنا نحلم بأن نصبح مثل الفدائيين الفلسطينيين الذين هجروا كل شيء في سبيل الأرض المسلوبة.
وكنا نهاجم إسرائيل ونكره حتى أن نتلفظ باسمها ونتصور اليهود بأنهم خنازير وقتلة وجبارين ومغتصبين وسافكي دماء الفلسطينيين ويجب القضاء عليهم. وكان الفلسطيني يمثل بالنسبة لنا رمز الصمود العربي ورافع راية الوحدة العربية ومحررها من الاستعمار والذي على يديه سوف تحرر القدس بعدما ما شاهدناه وهو يقاوم بالحجر والمقلاع ويقدم الشهيد بعد الشهيد.
وفرحنا بأن هذا الشعب وصل إلى مرحلة الاختيار الديمقراطي لاختيار حكومته في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم العربي بأجمعه بغض النظر عن كون الفائز من فتح أو من حماس. وهللنا بأن تلك المرحلة هي بداية استقرار المجتمع الفلسطيني سياسيا واقتصاديا ونفسيا.
واليوم وبعد ما شاهدنا على شاشات التلفزيون في كل مكان من العالم الجندي الفلسطيني وهو يوجه فوهة رشاشه إلى صدر أخيه الجندي الفلسطيني الآخر بكل برود وبكل فخر، بدأ الكثيرون منا يعيدون النظر في مواد المدارس المغلوطة التي درسونا إياها.
فلسنا نحن الوطن الحبيب بعد أن أصبح آخر اهتماماتنا ولسنا الوطن الأكبر بعد أن تم تمزيقه شر ممزق ولا هو الوطن الذي تكبر أمجاده بعد أن أصبحنا أعداء أنفسنا ولا هو المنتصر حيث لم نذق يوما طعم الانتصار، وحتى الانتصار حولناه إلى وصمة عار كما حدث لمقاومة الجنوب اللبناني في وجه إسرائيل!
3) فليهنأ الفلسطينيون! وهذا أمر مضحك آخر: ففي السابق كانوا يحلمون بدولة فلسطينية واحدة. واليوم لديهم دولتان: في غزة وفي الضفة. ومن يعلم، فربما قامت في المستقبل دولة ثالثة ورابعة أو ربما نشبت حرب تحرير جديدة بين الضفة وغزة، وتحتل فتح غزة أو تحتل حماس الضفة.
وهكذا يتحول حلمنا بتحرير فلسطين بتحرير الضفة من أيد فتح وتحرير غزة من أيدي حماس. بدلا من تحرير فلسطين من أيدي اليهود!
4) أما الأمر المضحك المبكي، فهو قيام إسرائيل بنقل الجرحى الفلسطينيين من فتح لعلاجهم في (إسرائيل)! وهذه المعادلة الصعبة هي التي صححت المغالطات التي قام المدرسون العرب بتدريسنا إياها في المدارس الابتدائية إلى حين تخرجنا من الجامعة بشهادات أصبحت منتهية الصلاحية. فكنا نعتقد بأن الإسرائيلي لا قلب لديه ولا رحمة.
وها هو اليهودي الصهيوني العدو الغاشم المغتصب مصاص دماء أطفال الفلسطينيين، يملك قلبا أكبر من قلوبنا، حيث انني لا أذكر أن قامت دولة عربية واحدة بنقل جريح يهودي واحد لعلاجه على أرضها، ورحمة أكبر من رحمتنا بأنفسنا، حيث انه نسي في موقف الألم كل بغضه وقام بتضميد جرح عدوه الذي كان ينوي في يوم ما رميه في البحر.
وتضامنا أكبر من تضامننا، حيث لم يسمع أحد قط أن يهوديا شهر السلاح في وجه يهودي، سواء كان أبيض أو أسود، وحكمة أعلى من حكمتنا حيث رغم الاختلافات المذهبية واللونية والعرقية لدى اليهود لم نسمع عن صراع دامي بين اليهودي المتزمت واليهودي المتحضر واليهودي السفاردي واليهودي الاشكنازي.
فهل بعد كل ما جرى ويجري وسيجري بمشيئة الله بين فتح وحماس، واتهامات بالغدر والخيانة والفساد لدينا الجرأة على اتهام إسرائيل بتلك الصفات؟
البعض غالى في تقدير اليهودي وفي سلوكه أمام تناحر الفلسطينيين المستمر رغم كل المؤتمرات والنداءات الموجهة إليهم. فقد تصور البعض بأن كل ما كانت إسرائيل تدعيه أثناء ذبح الفلسطينيين واتهامهم بالإرهاب وأنه لا يمكن العيش معهم لأنهم قتلة، صحيح مئة بالمئة، بل ذهب إلى أكثر من ذلك، بقوله بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها.
وفي بناء الجدار العازل لحماية حياة مواطنيها، بل أدهى من ذلك، بأن لها الحق في احتلال فلسطين كاملة، لأنهم قاموا ببنائها وتطويرها وتوفير كل مستلزمات المواطن الإسرائيلي ليعيش حياة كريمة، ولا أدل على ذلك من منظر تلك المستوطنات آخر طراز والتي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مدن من الدرجة الأولى بشوارعها ومراكزها وبنيتها التحتية المتطورة وحدائقها الغناء، بينما ظل المواطن الفلسطيني يعيش بين مخلفات المجاري التي تفيض في الشوارع رغم المساعدات المادية الهائلة التي تنهال عليه وباسمه على مدى تلك السنين.
ولو أننا نعترض على مثل هذا التوجه ونرفضه تماما لأن ذلك لا يعطي الحق للإسرائيلي باحتلال أرض الغير بحجة أن الغير لا يستصلحها، ولا يعني اقتتال الفلسطينيين أن نعطي الحق لليهودي أن يحتل فلسطين والقدس. ولكن تصرفات فتح وحماس أوصلت الكثير من العرب والمسلمين إلى فقدان الثقة بأنفسهم. ونرجو أن يوضع حد لمثل هذا الاستهتار بقضية الشعب الفلسطيني وبمستقبله وأجياله القادمة والذي يمارسه اليوم مجموعة صغيرة لا تنظر إلى أبعد من مسافة قدميها وجيوبها.
إننا منذ فترة قصيرة نعيش زمن المضحك المبكي أو زمن المبكي المضحك. ونحن نشكل جزءا مهماً من هذين الزمنين. من النوادر المضحكة (المبكية) أيضا، تقول بأن سائحين أميركي وياباني ومرشدهم العربي ضلوا الطريق في الصحراء الكبرى وكادوا أن يموتوا عطشا وجفافا. فعثر الأميركي فجأة على مصباح علاء الدين السحري. فقام بفركه فخرج المارد إليهم وأخبرهم بأن لديهم ثلاث أمنيات (فقط) لا أكثر ليحققها لهم.
فهرع الأميركي وطلب منه أن ينقله إلى الولايات المتحدة حالا. فاختفى الأميركي وهكذا عاد لوطنه. فظلت أمنيتان، فأسرع الياباني وطلب من المارد أن يعيده إلى اليابان فورا. فاختفى هو بدوره وعاد لوطنه. فظلت أمنية أخيرة للعربي الذي وقف غاضبا، فما كان منه إلا أن طلب من المارد صارخا في وجهه: لقد ذهبا ولم يدفعا لي بعد أجرتي... أرجوك أعدهما إلى هنا بسرعة!
جامعة الإمارات