بأيديهم هذه المرة، دون الفلسطينيون في قائمة الذكريات الحزينة الطافحة بالمجازر والكوارث والأزمات، ذكرى جديدة ينقسم الفلسطينيون إزاءها بين من يحتفل بيوم «النصر»، يوم «تحرير» غزة للمرة الثانية بعد خروج الإسرائيليين منها في سبتمبر 2005، وبين من يحييها كواحدة من أيام النكبات السوداء.
منتصف هذا الشهر دعي أنصار حركة حماس لأداء الصلاة في منتدى الرئاسة على شاطئ مدينة غزة، وفي مجمع الأجهزة الأمنية «السرايا» في وسطها، إيذاناً بتحقيق السيطرة الكاملة على قطاع غزة، وانهيار كافة الأجهزة الأمنية.
في غزة لم يعد هنالك اقتتال، فيما استبق الرئيس محمود عباس وحكومة الطوارئ التي شكلها الدكتور سلام فياض، اندلاعه في الضفة، فبالرغم من وقوع بعض الحوادث المتفرقة، من قبل كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح بحق بعض كادرات ومؤسسات حركة حماس، إلا ان إدراك مدى خطورة ذلك جعل مهمة تحقيق وضبط الأمن من اول اولويات حكومة فياض.
توقف الاقتتال في قطاع غزة، بعد سيطرة حماس عليه، ومحاولة ضبط الوضع في الضفة، أدت إلى اندلاع ازمة قانونية بشأن المراسيم التي اتخذها الرئيس عباس كرد فعل ولمعالجة الوضع الذي نشأ في غزة.
اعتراض حركة حماس على مدى قانونية المراسيم التي اتخذها الرئيس عباس، وتمسكها بحكومة الوحدة الوطنية التي لم يتبق منها سوى خمسة وزراء في غزة بما في ذلك رئيسها اسماعيل هنية، هذا الاعتراض الذي يكرس واقع الانقسام لم يلاق أي استجابة من جانب حركة فتح والرئاسة، تماماً مثلما هي دعوة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي طالب بالحوار.
وفي الواقع فإن تمسك حركة حماس بتلابيب القانون، لم يسعفها في تبرير ما تفعله في غزة، ولا يساعدها على إضعاف شرعية الرئيس عباس وحكومة الطوارئ أو فك الطوق الدولي والإقليمي والعربي المضروب حول الحركة وقطاع غزة، وفي الأصل فإن الأزمة ذات طابع سياسي وليس قانونيا، ولذلك من العبث تقزيم أحداث اتخذت طابعاً دولياً وإقليمياً، عبر تحويلها إلى مماحكات قانونية، يمكن لمن يلتزم بالقانون أو يخشى عليها أن يذهب بشكواه للمحكمة الدستورية لكن أحداً لم يفعل ولا يفكر في ذلك.
المجموعة العربية التي اجتمعت على مستوى وزراء الخارجية بعد يوم واحد من سيطرة حماس على قطاع غزة، واجتمعت مره أخرى على مستوى وزراء الإعلام في العشرين من هذا الشهر، اتخذت قرارات مهمة، بدعم الشرعية الفلسطينية والدعوة للحوار فضلاً عن تشكيل لجنة تحقيق تكمن أهميتها في تحديد المسؤولية عما جرى وحجم الخسائر والمخاطر التي ترتبت عنه خصوصاً بعد ما ورد في تقرير هيومان رايتس ووتش الأميركية من أن جماعات مسلحة ارتكبت في غزة جرائم حرب.
على أن الموقف المصري العملي جاء ليعبر عن غضب أشد، إذ اتهم وزير الخارجية د.أحمد أبو الغيط، إيران بتشجيع ودعم حماس، وبأنها تشكل خطراً على الأمن القومي المصري، فضلاً عن أن مصر سحبت من قطاع غزة فريقها الأمني ونقلت بعثتها الدبلوماسية إلى رام الله.
ما جرى في غزة من استيلاء حركة حماس عليها والإطاحة بالاجهزة الأمنية واحتلال مقراتها، دق جرس إنذار قوي لدى المراكز الدولية الفاعلة سواء في واشنطن أو في عواصم أوروبا الموحدة، بحيث جاءت مواقف هذه الدول واضحة وقوية في دعمها للشرعية الفلسطينية، ورفع الحصار عنها، مقابل إدانة ما قامت به حماس في غزة، الأمر الذي يحكم عليها حصاراً أصعب بكثير من الحصار الذي سبق الأحداث الأخيرة.
الموقف الأوروبي يذهب إلى حد الاعتراض على الموقف الإسرائيلي الذي طرحته وزيرة الخارجية تسفي ليفني أمام نظرائها الأوروبيين خلال اجتماعهم يوم الثامن عشر من الجاري، ويبين أن إسرائيل ترغب في إبقاء وتشجيع حالة الفصل بين غزة والضفة، وبما يسمح لقيام دولة فلسطينية في غزة، تسبق حلاً آخر يتصل بالضفة الغربية لاحقاً.
الأوروبيون رفضوا نظرية الفصل، ورفضوا قبول هيمنة حماس في غزة سواء أقامت كياناً أو امتنعت عن ذلك، مما يعني أن هناك رغبة دولية وعربية لفض وإنهاء سيطرة حماس على غزة، غير أن السؤال الأهم هو ما إذا كان نزع الشرعية عن ما تقوم به حماس في غزة، وإخضاعها للحصار، سيؤدي إلى إنهاء هذا الوضع الشاذ، وإنهاء الانقسام الجيو سياسية الاجتماعي الذي نشأ عنه خصوصاً وأن سلطة الرئيس عباس وحكومة الطوارئ لا تملك أدوات في غزة قادرة على مجابهة التحدي القائم هناك.
لا يتوقع أحد أن تتراجع حماس عما فعلت، فهي قد أجرت حساباتها، قبل أن تقدم على ما أقدمت عليه، وحتى لو كانت الحركة قد وقعت في خطأ يتصل بعدم تقدير ردود الفعل خصوصاً الصادرة عن الرئيس وحركة قتح، أو أية أخطاء أخرى، فإن ما وقع قد وقع بحجم يتجاوز الحسابات المحلية، إلى المساس باستراتيجيات دولية وإقليمية، ولذلك فإن من المستبعد أن يكون العلاج محلياً، أو رهناً فقط بما يريده الرئيس الفلسطيني.
وإذا كان الحصار لا يحل الأزمة، فهل ثمة تفكير باستخدام القوة، ومن هي الأطراف المرشحة لذلك؟ وفيما تتكلم الدوائر الفلسطينية المعنية، فإن ثمة أفكارا يجري تداولها من نوع استخدام قوات بدر التابعة لمنظمة التحرير والمرابطة في الأردن، أو استخدام قوات دولية.
لكن الارجح هو أن تتنطح إسرائيل لهذه المهمة انطلاقاً من حساباتها الخاصة بمصالحها وليس لحساب رئيس السلطة رغم أن ذلك يخدم السلطة الفلسطينية في الوقت ذاته. أمام إسرائيل خيار تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة كأساس، ولكن هل تجد مصلحتها في تكريس هذا الفصل مع وجود وسيطرة حماس في غزة أم أن تحقق الهدف ذاته دون حماس.
في هذه الحالة من غير المستبعد ان تنفذ إسرائيل عمليات عسكرية واسعة وليس بالضرورة أرضية ضد حركة حماس إذا ضمنت أن تحصل من العرب على التطبيع كثمن لذلك، وربما حين تجد من يغطي تكاليف حملتها، هذا بالإضافة إلى أن إسرائيل في هذه الحالة ستحقق هدف تعزيز مشاركتها في التحالف الدولي ضد الإرهاب .
بالإضافة إلى استعادة بعض الهيبة لجيشها بعد كل ما فقده في عدوانه على لبنان في يوليو العام الماضي. احتمالات كثيرة وارده ما عدا احتمال الاعتراف بالأمر الواقع الذي فرضته حماس في قطاع غزة.
كاتب فلسطيني