المتابع لما يشهده العالم العربي حاليا من أزمات تصل إلى حد القتال والاحتراب بين أبناء البلد الواحد من فلسطين إلى لبنان إلى العراق إلى السودان، سوف يتأكد له من دون عناء أو تعب اننا إزاء فوضى لكنها غير خلاقة أي على غير وصف كوندوليزا رايس عندما دشنت هذه السياسة الأميركية في عام 2005.

فالفوضى الخلاقة أو البناءة، مصطلح أدرجته الإدارة الأميركية وردده كبار مسؤوليها وعلى رأسهم وزيرة الخارجية في حديث لها أدلت به إلى صحيفة «الواشنطن بوست» الأميركية في شهر ابريل عام 2005، عندما قيل لها إن التفاعلات التي تموج بها هذه المنطقة من العالم لا تترك مجالا آخر سوى للاختيار بين الفوضى أو سيطرة الجماعات الإسلامية على السلطة، ولن تؤدي بالضرورة إلى انتصار الديمقراطية.

فلم تتردد في أن تقول إن الوضع الحالي «ليس مستقرا»، وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي من نوع «الفوضى الخلاّقة» التي ربما تنتج في النهاية وضعا أفضل مما تعيشه المنطقة حاليا!!. وهذا الأمر يعنى أن هذه الاستراتيجية ليست من وحى وإلهام المحافظين الجدد وإنما هي خاصة بوزيرة الخارجية التي أبدعتها حينما كانت تعمل مستشارة للأمن القومي الأميركي قبل أن تتبوأ منصبها كوزيرة خارجية.

وهذا الطرح يعني أن الوزيرة لابد وان تتبنى أطروحاتها على عكس ما تردد في دوائر عربية ادعت إن الولايات المتحدة تراجعت عن تبني استراتيجية الفوضى الخلاقة بعدما اعترضت الدول العربية ممثلة في حكوماتها عليها وكان ذلك له صلة بما واجهته الولايات المتحدة من مشكلات في العراق على النحو الذي نعرفه جميعا.

ومن الممكن القول إن حدث تعديل طفيف على السياسة الأميركية التي أطلق عليها مسمى الفوضى الخلاقة بسبب ما قلنا سابقا من اعتراض حكومي عربي أو بسبب إدراك الولايات المتحدة أنها لا تستطيع أن تحارب في أكثر من جبهة في وقت واحد وهو الأمر الذي أدى بها إلى إن تتراجع تكتيكيا عن هذه السياسة حتى تختمر الظروف الموضوعية الملائمة لها.

ويبدو ان ما نشهده حاليا من أزمات في المشرق العربي على وجه الخصوص هو هذه الظروف الموضوعية. فالملاحظ أن الولايات المتحدة التي كانت تتدخل في السابق لتبريد بعض الأزمات العربية لم تتخل في اي من الأزمات فيما يبدو أنها تتركها لكي تخلق الأوضاع التي من خلالها تتشكل الأوضاع الإقليمية أو الداخلية الجديدة أو «الخلاقة» على النحو الذي تسير عليه سياسة كوندوليزا رايس.

وبالتالي فان الولايات المتحدة تركت الأوضاع الداخلية تختمر من اجل بدء تنفيذ سياستها الخاصة بالفوضى الخلاقة التي يبدو من تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية في أكثر من مناسبة أنها لا تضع أية شروط على تطوراتها وإنما ستتعامل معها وفقا لما ستنتهي إليه اي أنها لا تحول دون تأسيس دول ذات طابع إسلامي وانما في المقابل لديها آليات وأساليب للتعامل مع هذه الدول ومنها الحصار ومنها أيضا الاحتواء حسب طبيعة هذه الدول وهل هي معتدلة أم متطرفة.

ولكن كل ما تسعى إليه الولايات المتحدة وفقا لنظرية وزيرة خارجيتها هو إن تتغير الأوضاع العربية الحالية سواء إلى الإمام أم إلى الخلف إلى الأحسن أم إلى الأسوأ فالمطلوب هو أن تتحرك مياه البحيرة العربية الآسنة، وبعدها يحدث ما يحدث وتستطيع الولايات المتحدة، وفقا لرؤى قادتها وسياسييها أن تتعامل معها بما يحقق المصالح الأميركية ولتذهب مصالح سكان المصلحة أنفسهم إلى الجحيم.

من هنا نستطيع القول إن ما تشهده منطقة المشرق العربي من فوضى حالية ما هو إلا تطبيق من الباب الخلفي لتصورات كوندوليزا رايس حول الفوضى الخلاقة لكنها بالطبع خلاقة فيما يتعلق بتأسيس نظام إقليمي جديد يحقق مصالح الولايات المتحدة، لكنها فوضى غير خلاقة فيما يتعلق بسكان المنطقة التي تحدث فيها التطورات.

وهذه التطورات انطلاقا من ذلك يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، خاصة وان الآليات العربية السابقة للتعامل معها لم تعد ذات جدوى، والمثال الواضح على ذلك عجز جامعة الدول العربية عن التعامل مع كل من تطورات لبنان والعراق وما تشهده الأراضي العربية في فلسطين من حرب أهلية أصبحت معلنة بين حركتي حماس وفتح.

وفي نفس الوقت نلاحظ أن ليست هناك جهات دولية أو إقليمية سعت للقيام بأي خطوات جدية من اجل وقف الاحتقان الذي تشهده مناطق عربية متعددة أو للسيطرة على الموقف فيما يتعلق بالتطورات الساخنة التي تشهدها هذه النزاعات بما أدى إلى تدهور الأوضاع أكثر فأكثر بما يفتح المجال أكثر لتطبيق النظرية الأميركية الخاصة بالفوضى الخلاقة.

واذا كان الباحث الأميركي «مايكل ماكفيل» قد ذكر في مقال له في دورية «البوليسي ريفيو» أنه لم يعد في وسع الولايات المتّحدة الحفاظ على الوضع الراهن فقط، فهي تسعى إلى التغيير، وهذه المهمة يجب أن تكون عدوانية بطبيعته، لأن الولايات المتّحدة لم تعد قادرة على مجرد الانتظار ثم القيام برد فعل على الهجوم التالي.

وأصبح عليها أن تبادر هي بالهجوم. وحدّد «مايكل» فيما بعد خطوط الفوضى البنّاءة التي يجب اتباعها في الشرق الأوسط وهي: التزام الإدارة الأميركية بـ «مبدأ الحرية» والترويج لها، على أن يتم توسيع الحريات الفردية وإزالة القوى المعارضة للحرية سواء أكانوا أفرادا أو منظمات أو أنظمة.

يجب أن يتضمن مصطلح الإدارة عن «الفوضى الخلاّقة» معنيين: الأول، التدمير وثمّ الثاني البناء، وأن العدو الذي يجب تدميره هو أيديولوجي بالدرجة الأولى، وهو «الشمولية الإسلامية» وليس الإسلام نفسه. فإننا نستطيع القول ان ما حدث من تغيير على نظرية الفوضى الخلاقة أو البناءة يتمثل في إن الولايات المتحدة استبدلت الهجومية التي اعتمد عليها ماكفيل في بداية التنظير للنظرية بالانتظار والترقب

حتى حدوث التطورات ذاتها وذلك من اجل عدم استفزاز حلفائها في المنطقة بما يمكن أن يستفزهم ويجعلهم يتخذوا سياسات عدائية للولايات المتحدة وهى ليست لديها قاعدة في المنطقة حاليا سواهم والانتظار يعنى أنها يمكن أن تحقق استراتيجيتها من دون اي تكاليف عالية ومن دون خسائر في قاعدتها السياسية.

كاتب مصري