في عام 1886، أغار بعض فلاحي فلسطين المطرودين من قريتي ملبس والخضيرة على مستوطنة بتاح تكفا، التي أقامتها جماعة دينية يهودية على زمام القريتين قبل ذلك بثمانية أعوام. وقتذاك، لم يدرك أولئك الفلاحون أنهم بعملهم هذا، كانوا يستهلون أطول حركات التحرير العالمية عمراً ضد أعتى مشاريع الاستعمار الاستيطاني وأكثرها عنصرية،حتى قبل أن يتبلور هذا المشروع تماما بعقد كامل.

لقد كانت تلك الغارات التي تكررت تباعاً على المستوطنات اليهودية الأولى، نمطاً مبكرا من المقاومة العنيفة..وهي أردفت بأنماط من المقاومة المدنية، كالاحتجاج المرفوع للصدرالأعظم العثماني بحق متصرف سنجق القدس في مايو 1890 لمحاباته المستوطنين اليهود، وإبداء المخاوف من تضخم المهاجرين اليهود في القدس ورحابها، وإنشاء هيئة محلية بزعامة مفتي القدس في عام 1897 للتدقيق في طلبات نقل الملكية ومنع توسع المهاجرين اليهود على الأراضي الزراعية الفلسطينية.

القصد أن مقاومة المجتمع الأصيل في فلسطين للغزوة الصهيونية الاستيطانية، تكاد تتزامن في إطلالة خطها البياني وإرهاصات الصهيونية السياسية (مؤتمر بال 1897). ما يعني أن هذا المجتمع قد استشعر خطر هذه الغزوة بمحض الإحساس الطبيعي وغريزة الدفاع عن الذات.

وذلك بعد أن لاحظ الفرق بين إجارة اليهود واستضافتهم والتسامح مع عواطفهم الدينية، وبين ضرورة صيانة بلاده من تمددهم الجغرافي والاجتماعي(السكاني) والاقتصادي، الذي سيليه التمدد السياسي.. وهو ما حدث بالفعل لاحقاً.

ما ندعوه بالخط البياني للمقاومة الفلسطينية ما زال قائماً منذ كان المشروع الصهيوني فكرة هائمة تبحث عن عرّاب يتبناها دولياً إلى يومنا هذا.. فنحن إذن بصدد ظاهرة ممتدة عابرة للقرون إذا جاز التعبير. حقا تعرض هذا الخط للتذبذب بين الصعود والهبوط والرتابة في مناسبات أو نقاط أو محطات تاريخية معينة، بفعل محددات وعوارض أثرت على مساره إيجاباً وسلباً.. لكنه بقى موصولا وبلا قطيعة تقريباً على نحو يلحظه المتابع المدقق.

ويمكن إجمال محددات هذا المسار في التحولات التي اعترت بيئة الصراع على أرض فلسطين وما جاورها واتصل بها إقليمياً ودولياً، التي طرأت بشكلٍ كلي أو نسبي على كل من طبيعة الصراع وجغرافيته وأطرافه المباشرين وأنماط تحالفاتهم وموازين القوى بينهم.

وكان من شأن بعض هذه المحددات أن يؤدي موضوعيا إلى تأثيرات فارقه على المقاربة الفلسطينية للغزوة الصهيونية من حيث الشكل والمضمون،كتحول المشروع الصهيوني من فكرة إلى حركة ثم إلى دولة هي الأقوى في محيطها الإقليمي، وحالة الدمار المروع التي ألمت بالمجتمع الفلسطيني غداة حرب 1948، وتطور أحوال النظامين العربي والدولي وحجم المصالح المرتبطة بالصراع والتسوية الفلسطينية.. ومع ذلك كله ونحوه، ظلت المقاومة أحد أهم وأبرز ثوابت التعامل الفلسطيني مع هذه الغزوة.

لا ينبغي أن يفهم الثبات هنا على محمل الدوجمائية أو التصرف اللاعقلاني غير المتبصر. فالمقاومة حاولت التكيف مع المعطيات المتغيرة التي أحاطت بسيرورتها، وهي أفلحت في هذا أحياناً وفشلت في أحايين أخرى. ويمكن التمثيل لذلك بالتباين الملحوظ بين الأشكال التي أبدعتها هذه المقاومة أو أجبرت على اشتقاقتها في مراحل المواجهة،

التي راوحت بين الأنماط المدنية السياسية والعنيفة المسلحة؛بين التحرك من خارج فلسطين المحتلة والتمركز داخلها بين الانضواء في أطر قومية عربية واسعة والعمل تحت منطلقات وشعارات وطنية قطرية أضيق، بين استهداف تحرير فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر والاتجاه إلى مجرد تحصيل ما كفلته الشرعية الدولية من حقوق، بين الانحياز للطابع الوطني أو القومي وغلبة الخطاب الإسلامي.

المقصود بالثبات والحال كذلك هو «إرادة المقاومة» والإصرار على الاستعصام برفض الاستسلام .وللمشككين في صلابة هذه الإرادة وتأثيرها وتوارثها بين الأجيال الفلسطينية لأكثر من مائة عام، نقول انه حتى الأوقات أو المراحل التي شهدت كمونا أو غيابا فلسطينيا ظاهرا عن ساحة المواجهة، لا يكمن اعتبارها فترات انقطاع في منحنى المقاومة.. فلقد كانت هذه الفترات مطلوبة، لالتقاط الأنفاس وإعادة الترميم والتعبئة والاحتشاد وتجميع عناصر القوة وتصفيف الأوراق.. وهذه لعمرك من شروط وآليات المقاومة.

على أن قناعتنا بديمومة إرادة المقاومة وصلابتها لا تمنعنا من التساؤل عما إذا كان هذا الشرط بكاف وحده لتحصيل الحقوق في الحدود القصوى أو الدنيا التي أقرتها الحركة الوطنية الفلسطينية؟. ألا تحتاج هذه الإرادة إلى شروط تكميلية؛إلى قوي تؤطرها وتؤتمن عليها وتسعى لترجمتها وتطبيقها عبر برامج ومداخل ومخططات استراتيجية وتكتيكية ومحاولات من الاشتباك السياسي وغير السياسي مع الخصوم والأعداء ؟!

المنطق والخبرة يقولان بأن إرادة المقاومة فطرة في الشعوب الحية، وأن تاريخ الاجتماع السياسي البشري لا يعرف تجربة استعمارية لم تواجه بهذه الإرادة. لكن هذا التاريخ لا يخلو من تجارب تعرضت فيها إرادات بعض الأقوام والأمم والجماعات للتصدع أو الانكسار وأحياناً للتلاشي بالكامل.

لأنها لم تحسن إجتراح المداخل والأدوات الضرورية لتفعيلها. وبالنظر للتدافع المروع والمنداح بوتيرة متسارعة بين القوى السياسية، على نحوٍ دفع قطاعات شعبية إلى الترحم على زمن الاحتلال بكل جبروته ووحشيته،فإن ثمة مبررات للخشية من وقوع الحالة الفلسطينية تحت طائلة هذه التصور البائس.

نطرح ذلك وفي الذهن أن هذه القوى المتشاكسة المتكاسرة، ذهبت بعيداً في اختطافها للقضية الوطنية إلى حد العبث بأمن أصحابها ووضعهم على خطوط تماس دموية أمام بعضهم البعض. وهناك نذر الآن على أن أكثر القوى شعبية في الرحاب الفلسطينية، فتح وحماس.

قد لاتمسى مؤتمنة على توفير شروط التعبير عن إرادة المقاومة، الكامنة أصلا في الجمهور الفلسطيني. ونحسب أن مشهداً كهذا، تفتقد فيه الثقة بين الشعب وطلائعه السياسية، ربما انتهى بالنيل من هذه الإرادة أو في الحد الأدنى كمونها واعتكافها واكتئابها زمناً طويلاً.

عندئذٍ، إلى أي حائط سيستند أمراء الحركة الوطنية؟، من سيوفر لهم زاد المقاومة ووقودها وقوة دفعها الداخلية الذاتية؟!.وعليه،فليحذر هؤلاء الذاهبون إلى الصوملة بأرجلهم، من فتنة لا تصيبنهم وحدهم وإنما تنتكس بهم وبقضيتهم وبنضال أكثر من مئة عام خلفهم وخلفها.

نعلم أن الثورات يصنعها الحالمون ويحصدها الأفاقون.. لكن أين هو الحصاد الذي يستحق القطاف فلسطينياً كي يعجل سادة الفصائل، فتح وحماس بالذات، إلى التقاتل عليه؟!. من كان منهم موعوداً بالكثير على صعد التحرير والاستقلال الوطني مع استعادة القدس وعودة اللاجئين ودحر المستوطنين حتى في نطاق حدود 1967.,

فليبح لنا به حتى نزكيه ونصبر عليه ونشفع له أمام التاريخ ودماء الشهداء ودموع الثكالى وآهات الجرحى!. هذا أوليتوافقوا أو ليترجلوا قبل أن يجوفوا إرادة شعبهم ويجرفوها من الداخل، وهى التى استعصت على الانحناء أو الانثناء بضغوط الخارج.

كاتب وأكاديمي فلسطيني