يقال بأن ليالي الشتاء هي الأقرب إلى القلب، والأكثر تهيؤاً للحنين والذكريات، احتفائية مشبعة بالمشاعر، وأيضا مقلقة ومثيرة ومرعبة حينما تستبيح البروق والرعود السكون ويهطل المطر بلا انقطاع وتصبح الصوت الوحيد ورائحة الطين هي الرائحة الوحيدة، ويقال إن ليالي الصيف محفزة للعقل، تنمو فيها الأفكار ويشع نور الحقائق في كل مكان لهذا يؤلف المؤلفون كتبهم ويطلقون عنان عبقريتهم في الليالي الساخنة ذات السماء الصافية المرصعة بالنجوم.
كلنا نعتبر ذكرياتنا الماضية هي أجمل الذكريات، ومعظمنا يتخيل أن ما مر من الأيام هي الأنقى تنز منها الفضائل مقارنة باليوم، على اعتبار أن الماضي أكثر صفاء ونقاء وأن اليوم هو الذي يشهد موت المثاليات... لكن بين الأمس وبين اليوم قاسم مشترك هو نحن وقلوبنا وما تخزن في ذاكرتنا الشعورية.
علماء النفس يدركون أننا نشعر بذلك ليس لأن الأمس واليوم مختلفين فقط، ولكن لأن الأمس واليوم هما القاسم المشترك ونحن المتغير، فالمعادلة لدى علماء النفس عكس ما نعتقد وما نظن... نحن الذين نعبر من مرحلة الاكتشاف الأول للذة إلى مرحلة الاعتياد، ثم مرحلة الروتين والتكرار إلى أن نصل إلى مرحلة الإلغاء بالتعود، فلا تصبح لدينا اكتشافات مذهلة تضاف إلى ذاكرتنا الشعورية.
لهذا تشعر حينما ترمي بك الصدفة أمام تذكار قديم بأنك كنت الأنقى والأجمل في ذلك الزمان الذي عبر. مع سعينا وجهودنا الجبارة لمقارعة الآخرين فيما وصلوا إليه من حداثة صرنا نغفل ما تبقى لنا من ماض، لهذا فاننا سعينا لإزالة أغلب التذكارات القديمة وما حفظته لنا إدارات التراث والآثار في مناطق مختلفة من الدولة ما هي إلا بقايا قليلة مما اندثر وانهار..
بيوت طينية، قلاع وحصون وأبراج.. بعض الإدارات أبدت اهتماماً جيداً ومناسباً وبعضها راح يتخبط في مسائل الترميم والمحافظة والاستغلال. جميلة هي مدننا التي تلوح منها الحداثة على قمم الأبراج، لكن الأجمل أيضا هو ذلك العبق وتلك القصائد التي تنز بها صخور البيوت المسكونة بالسنين ورائحة البحر والطين.
إدارات تراث وآثار وسياحة عديدة منها من لا يزال متقاعساً عن عمله الحقيقي ومنها من حقق شيئاً بسيطاً من الإبقاء على الصورة الأصلية.عمل التراث والآثار ما زال بحاجة إلى إعادة نظر موازنات مالية معقولة تحقق شيئاً في إبقاء ملامح مدننا القديمة متجاورة مع مدننا الحديثة ذات الأبراج ومصابيح النيون.
