يتكرر في المفاصل الحرجة من التأريخ الإنساني، مشهدٌ مُؤثرٌ تحرص وسائل الإعلام على تسليط الضوء عليه، مشهد يُظهر ثنائية النصر والهزيمة، بهجة النصر عند طرف ومرارة الهزيمة عند طرف الآخر.

من أبرز هذه المشاهد، المشهدان اللذان وضعا خاتمة للحرب العالمية الثانية عام 1945، يُظهر المشهد الأول الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور قائد قوات الحلفاء في الجبهة الغربية وهو يضع توقيعه في الموقع المخصص للمنتصر في وثيقة استسلام ألمانيا مع الأميرال الألماني دونيتس الذي ترأس ألمانيا بُعيد انتحار هتلر. ويُظهر المشهد الثاني الجنرال دوغلاس ماك آرثر، القائد الأميركي في الشرق الأقصى، على ظهر إحدى بوارج الأسطول الأميركي وهو يوقع وثيقة استسلام اليابان مع الميكادو المهزوم، إمبراطور اليابان هيرو هيتو.

مشاهد كهذه تختزل مسافات زمنية طويلة جداً من عمر الشعوب في لحظات وردية براقة لدى المنتصر، صفراء كئيبة لدى المنهزم. وإذ تتحول أجواء هذه اللحظات المثيرة إلى كلمات تسكن بطون كتب التأريخ، تبقى كذلك كامنة في ذاكرة الشعوب، المنتصرة والمهزومة على السواء، وتبقى حاضرة في أذهان واضعي الاستراتيجيات وراسمي السياسات في الفترات اللاحقة.

إلا أن هناك مشاهد أخرى تحمل المعنى نفسه، النصر والهزيمة، لكنها تُظهر المنتصر ليس مع المهزوم بل مع أسلابه، فقد تسابقت وكالات الأنباء في التاسع من أبريل 2003، في نقل مشهد الجنرال الأميركي تومي فرانكس، القائد العام للقوات المركزية الأميركية، وهو يجلس في أحد المقاعد الوثيرة في القصر الجمهوري العراقي، معقل الرئيس العراقي السابق، يُجري محادثة هاتفية مع الرئيس الأميركي بوش يزف فيها نبأ سقوط العاصمة العراقية بأيدي القوات الأميركية.

مشهد آخر حزين نقلته وكالات الأنباء، في السادس عشر من يونيو الجاري، من مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في غزه، يظهر فيه أحد المقاتلين الصغار من حركة حماس، حرص على تغطية وجهه بقناع، رافعاً سماعة الهاتف متظاهراً بالرد على اتصال تجريه وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مع الرئيس الفلسطيني، ليخبرها بأن «أبو مازن لم يعد موجوداً في هذا المكان».

ولسنا بصدد ذكر مشاهد أخرى، فذلك ليس الهدف من كتابة هذه السطور، فالمشاهد التي ذُكرت هي مقدمة للتأمل في أبعاد ومعاني المشهد الأخير فقط فهو مشهد يستوجب التوقف، لأنه مُدهشٌ في بؤسه، مشهد هزيمة كبيرة يراد لها أن تصبح انتصارا، مشهداً يضيف فصلاً جديداً إلى فصول الهزائم التي عانى منها الشعب العربي، ويضيف فصلاً آخر إلى مسلسل تراجع الحلم الفلسطيني، على مدى العقود الماضية.

فقد أعلنت حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة وتطهيرها من عناصر حركة فتح، وفي رد فعل لهذا الحدث الجلل قامت حركة فتح من جانبها بالسيطرة على المواقع الحساسة في الضفة الغربية، وأعلن الرئيس الفلسطيني في ضوء ما جرى حالة الطوارئ وكلف سلام فياض، وهو أحد الفتحاويين، بتشكيل وزارة جديدة لاغياً بذلك الاستحقاقات التي ترتبت على الانتخابات التشريعية الأخيرة التي فازت فيها حركة حماس، ومقيلاً إسماعيل هنية رئيس حكومة الوحدة الوطنية.

إن ما جرى في غزة وردود الفعل في الضفة الغربية تعكس في الحقيقة أجواء ثقافة بعيدة كل البعد عن الديمقراطية التي مارس الشعب الفلسطيني بعض أدواتها في انتخاباته التشريعية الأخيرة، ولا ندري ما الذي ستفعل القيادات الفلسطينية حين تحصي ما لها وما عليها وتقدم الحسابات للشعب الذي أولاها ثقته، ماذا ستطلق على مفردات ما حدث؟ هل تدخل هذه المفردات تحت عناوين النصر؟ أم توضع كلها، وليس بعضها، تحت مسمى الهزيمة، وماذا ستطلق من تسميات على الممارسات التي رافقت الأحداث التي نحن بصدد الحديث عنها؟

هكذا أصبح للفلسطينيين دولتان وأصبح لهم حكومتان لا تعترف إحداهما بشرعية الأخرى، ولكن قضيتهم قد تراجعت كثيراً، فالمستقبل سيفرض استحقاقات جديدة تُقلص من مساحة المتاح لهم. فقد أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة دعمهما لحكومة الطوارئ الجديدة وأعربت إسرائيل عن استعدادها لرفع الحظر المفروض على مئات الملايين من الدولارات من الأموال الفلسطينية التي ستوضع تحت تصرف السلطة الفلسطينية في الوقت الذي بدأت غزة تشهد حصاراً سيزيد من متاعب ساكنيها ويضعف قبضة حماس عليها، ولا يستبعد أن يرافق ذلك بعض العمليات العسكرية تُجتث خلالها قيادات حماس.

يُعتبر ما جرى في السادس عشر من يونيو الجاري أخطر النكسات في تأريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث وصلت الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق من التأزم بفعل عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، كان من نتائجها أن أغلق السلاح كل قنوات التواصل، وتحركت الميليشيات لتحسم الخلاف على طريقتها، وأصبح اتفاق مكة في خبر كان.

يحار المرء في وصف ما يرى من الأحداث في الساحة الفلسطينية، أهي مشاهد من الكوميديا السوداء أم لقطات من التراجيديا المضحكة، أم مشاهد من كليهما تُعرض على خشبة مسرح آيل للسقوط وفق سيناريو ساخر حرص من وضعه على توجيه الأنظار إلى مآل واحدة من أقدم وأعرق حركات المقاومة الوطنية في العالم، وحرص المخرج من جانبه على تلوين هذه المشاهد بأدوات مناسبة مستمدة من عدد لا يحصى من مفردات المعاناة التي يواجهها الإنسان الفلسطيني في أرضه المحتلة.

لماذا استحال التعايش بين الرئاسة الفلسطينية، وهي من حركة فتح، وبين رئاسة الوزراء، وهي من حركة حماس، الآن لكل من هاتين الحركتين أجندتها الخاصة؟ وهل تختلف هذه الأجندة في نظرتها إلى المصالح العليا للشعب الفلسطيني؟.

نعم هنالك فوارق في الأجندة بين الحركتين، فتح وحماس، فوارق بين أجندة أقرب إلى البراغماتية وأخرى أقرب إلى الأصولية، بين هاتين الأجندتين تنافر تنامى وكبر مع الأيام، فكلا الطرفين يتحدث كعراب للقضية الفلسطينية ولكن بأسلوبين مختلفين وبمدخلين مختلفين وحلفاء مختلفين استندت التحالفات معهم إلى أسس مختلفة.

من المؤسف أن نرى أنه بالرغم من التجارب المريرة التي مرت بالشعب الفلسطيني لا يزال بعض قادته بعيدا عن إدراك حقيقة أن العالم قد تغير، وان الرؤى والأساليب ينبغي أن تتغير أيضاً، وان أفضل وسيلة لخدمة قضية ما هي الحياة من أجل هذه القضية وليس الموت في سبيلها. فالزعيم الذي يخدم قضيته هو من يحقق لها أفضل ما هو ممكن، أما السعي نحو المستحيل فقد أصبح مستحيلاً، لقد أفل عصر الأحلام الرومانسية والشعارات الكبيرة لأن الحلم نفسه قد تغير وطرائق تحقيقه قد تغيرت.

إن الخلافات الكبيرة في الرؤى وفي الأساليب لا تبرر ما حدث منذ أيام، فلدينا أمثلة عديدة على تعايش خصوم سياسيين من أجل مصالح بلادهم، ألم يتعايش المحافظون الفرنسيون ابان رئاسة زعيمهم شيراك للجمهورية لمدة خمس سنوات مع الاشتراكيين حين كان زعيمهم ليونيل جوسبان رئيساً للوزراء، ألا تتعايش الرئاسة الأميركية الجمهورية، في الوقت الحاضر، مع الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.

جاءت هذه الأحداث الجسام قبل ثلاثة أيام فقط من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت لواشنطن، وهي زيارة يعتقد بعض المراقبين بأن لها أهمية خاصة في هذه الفترة التي يشهد فيها الشرق الأوسط حشوداً وتحركات ومناورات عسكرية أميركية وإسرائيلية مثيرة للقلق لا يمكن أن تفسر إلا بكونها مقدمات لأعمال عسكرية قد تستهدف، من ضمن ما تستهدف، قوى في الجوار الإسرائيلي نشأت وتصلب عودها خارج أطر اللعبة السياسية المحسوبة الأبعاد بين دول المنطقة، فأصبحت أدوات إعاقة لمشاريع الكبار، ولكنها في الوقت نفسه قد أضعفت نفسها عندما انعزلت عن فضائها الأرحب وحشرت نفسها في زوايا ضيقة، فوجدت نفسها برفقة أصدقاء قلائل وموارد ضئيلة، هذه القوى هي حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين.

إن ما جرى مؤخراً على الأرض الفلسطينية وما سوف يترتب عليه من تداعيات يدعو إلى تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت أزمة الشعب الفلسطيني هي أزمة قيادات أم أزمة قضية، أم هي نتائج طبيعية لتشظي المجتمع وتشرذمه وتعدد مرجعياته، أم هي نتائج تدخلات أجنبية خارجية أفرزت ولاءات لا تمت بصلة إلى مصالح الشعب الفلسطيني؟

من يلام بالدرجة الأولى على ما جرى هم الفرقاء الفلسطينيون أنفسهم رغم ان الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولتان بشكل مباشر عن إضعاف السلطة الفلسطينية وعن تردي أوضاع الشعب الفلسطيني حين رفضتا تقبل نتائج الانتخابات الفلسطينية التي أتت بحركة حماس إلى سدة الحكم.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae