المبدأ الذي يقول إن «رأس المال جبان» ليس صحيحا دائما، بل ربما يصدق على رأس المال الصغير والضعيف الذي يخشى أصحابه ضياعه وضياعهم معه، أما رأس المال الكبير فلا مانع لديه من المجازفة والتجربة ويذهب دائما حيث الأرباح العالية والمغرية دون أن يخشى شيئا.
وإذا أخذنا مثالا من التاريخ القريب في زمن الاتحاد السوفييتي عندما كان الغرب يفرض حصارا اقتصاديا كبيرا على المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي بشكل خاص كانت هناك شركات عالمية كبيرة تعمل في الاتحاد السوفييتي وتستثمر فيه المليارات وتحقق عوائد وأرباحاً خيالية.
ومنها شركة سيمنس الألمانية العملاقة التي تعمل في روسيا منذ الستينات، وشركة دي بيرس العالمية للألماظ التي تعمل في حقول الماس الروسية منذ عام 1969 وحتى الآن، ولم تخش هذه الشركات دعايات الحرب الباردة ولا ديكتاتورية الحكم السوفييتي الشمولي.
الآن تتعرض روسيا لدعايات مضادة مشابهة تماما لما كان قائما في زمن الحرب الباردة، هذا على الرغم من غياب الأيديولوجيات، وعلى الرغم من انفتاح الاقتصاد الروسي الذي أصبح يطابق بشكل تام معايير السوق الحرة العالمية، وبرغم فتح أبواب الاقتصاد الروسي على مصراعيه للاستثمار الأجنبي.
وبرغم وجود فرص استثمارية كبيرة ومغرية للمستثمرين الأجانب في روسيا، إلا أن الدعاية المضادة مستمرة، و ما حدث في قمة الثمانية الكبار الأخيرة في ألمانيا وعلى هامشها يؤكد وجود هذه الدعاية المضادة، وهو الأمر الذي تبذل الحكومة الروسية جهودا كبيرة للرد عليه وإبطاله وإثبات عكسه.
وعلى ما يبدو أن المؤسسات الروسية الحكومية والخاصة قد حققت نجاحات معقولة في مواجهة هذه الحملات المضادة، فقد أظهر المنتدى الاقتصادي الذي عقد في روسيا في بطرسبورغ يومي التاسع والعاشر من يونيو الجاري الاختلاف الشديد بين الرؤية التي تتبناها القيادة السياسية لكبريات الدول الغربية وتلك التي تكونت لدى كبار المستثمرين في العالم.
ولم تتمكن قمة مجموعة «الثمانية الكبار» التي اختتمت أعمالها في ألمانيا بيوم واحد قبل افتتاح ملتقى نخبة الأعمال الدولية في بطرسبورغ من إزالة الاختلافات السياسية بين روسيا وشركائها في نادي «الثمانية الكبار» بصورة نهائية. أما نتائج منتدى بطرسبورغ فتجاوزت كل التوقعات.
فقبل انعقاده توقع المتفائلون وحدهم أن تفوق قيمة الاتفاقيات والعقود الاستثمارية التي كان من المحتمل توقيعها أثناء المنتدى مبلغ 4 مليارات دولار. ولكن كما اتضح في ختام المنتدى اتفقت الشركات الروسية والأجنبية على استثمار ما قيمته 5 ,13 مليار دولار. وتعود حوالي 4 مليارات دولار من هذا المبلغ إلى نصيب الاستثمارات الأجنبية.
وعلى هامش المنتدى وقعت شركة «أيروفلوت» الروسية مع شركة «بوينغ» الأميركية عقدا لشراء 22 طائرة ركاب بعيدة المدى من طراز «بوينغ - 787». وفضلا عن ذلك وقعت كبريات شركات السيارات العالمية (فولفو وسوزوكي وبيجو - سيتروين) عقودا لبناء مصانع لتجميع السيارات في أراضي روسيا وكذلك حال شركة زسامسونغس الكورية الجنوبية التي تتخصص في إنتاج الأجهزة الإلكترونية.
واتفقت شركة «بيبسي» الأميركية مع الجانب الروسي على بناء مصنع لإنتاج المشروبات الغازية في مقاطعة روستوف في روسيا، وعقدت الشركات الروسية بدورها صفقات مع دول أجنبية بقيمة 5 ,9 مليارات دولار. وتعكس هذه الأرقام التي تبدو خيالية بالنسبة لفترة يومين فقط الواقع الموضوعي القائم في الاقتصاد الروسي.
ونعيد إلى الأذهان أنه حسب التنبؤات الأولية كان من المحتمل أن تبلغ الاستثمارات الأجنبية في روسيا في عام 2007 بالكامل مقدار 30 مليار دولار. ولكنها قد بلغت خلال الفترة المنصرمة منذ بداية العام الجاري مقدار 60 مليارا وقد تبلغ حسب تقديرات الخبراء مع حلول نهاية العام مستوى 100 مليار دولار.
ولم تسجل هذه الأرقام القياسية في الفراغ. لأن روسيا كانت تسير نحوها باطراد. فكان اقتصادها يسجل منذ عام 1999 نموا متواصلا بمعدل حوالي 7 في المائة في السنة مما جعلها اليوم في المرتبة العاشرة في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفي المرتبة الثالثة من حيث حجم الاحتياطي من الذهب والعملات الأجنبية الصعبة (أكثر من 400 مليار دولار).
وعلى هذه الخلفية تبدو واهنة للغاية ادعاءات بعض الزعماء الغربيين بأن تدفق الاستثمارات الأجنبية على روسيا سوف يتضاءل بسبب «انكماش رقعة الحريات الديمقراطية في البلاد وتردي المناخ الاستثماري بسببه»، على حد زعمهم.
ومن الملفت للنظر أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يترك منصبه في نهاية يونيو الجاري تحدث في الآونة الأخيرة أكثر من غيره بهذا الصدد. و تكهن بلير أكثر من مرة بأن الاستثمارات البريطانية والأجنبية، عامة، في اقتصاد روسيا سوف تتقلص حتما للأسباب المذكورة أعلاه.
بيد أن كبريات الشركات العالمية ترى قدرة روسيا الضخمة على استيعاب الاستثمارات وتواصل توظيف رؤوس الأموال فيها بدون الإصغاء إلى تصريحات السياسيين. أما رجال الأعمال البريطانيون الذين يستثمرون في روسيا على مدى سنوات طويلة فقد أزعجتهم تصريحات مسؤوليهم إلى أقصى حد.
ويعتبرون أن تصريحات توني بلير لا تحمل في طياتها سوى الإضرار بمصالح روسيا وبريطانيا على السواء. وقد أعلن ذلك مباشرة بيتر هامبرو رئيس شركة استخراج الذهب البريطانية العملاقة والذي قال في المنتدى في بطرسبرج «ما من أحد يبالي الآن بكلام بلير».
ووصف المصرفي البريطاني الكبير هانس - يورغ رودلوف عضو مجلس إدارة الشركة النفطية الثانية في روسيا من حيث الحجم «روس نفط» مثل هذا السلوك للحكومة البريطانية بأنه خاطئ جدا. ويرى «أن انتقال روسيا إلى اقتصاد السوق تحقق بنجاح ولا يمكن إرجاعه إلى الخلف.
أما خطوات السلطة الروسية الرامية إلى فرض السيطرة على الاقتصاد فلا تختلف كثيرا - برأي رودلوف - عن أعمال البلدان الغربية في فترة سابقة». ونشير بالمناسبة إلى أن رودلوف حضر شخصيا منتدى بطرسبورغ تقديرا منه للنمو الاقتصادي المتنامي لروسيا.
واقتدى بقدوته أيضا رئيسا أكبر شركتي النفط والغاز في بريطانيا هما Shell وBP اللتين تمارسان الأعمال في روسيا منذ عدة سنوات. وذلك على الرغم من تصريحات حكومتهما. وحضر منتدى بطرسبورغ إجمالا وفود أكثر من 500 شركة أجنبية ترأست الشخصيات الأولى 200 منها. وبلغ عدد الحضور الوافدين من 65 بلدا 9000 شخص.
وترك منتدى بطرسبورغ عامة انطباعا أن طليعة رجال الأعمال الأجانب سبقت كثيرا قيادتها السياسية فيما يتعلق بفهم روسيا. ولا يزال السياسيون أمثال بلير ينطلقون في تفكيرهم من كليشيهات التسعينات من القرن الماضي عندما كانت البلدان الأجنبية تعد روسيا بالاستثمارات نظير التحويلات السياسية والاقتصادية.
ولهذا بالذات ربما يقع بلير في الضلال واثقا بإمكانية استدعاء الشركات الأجنبية من روسيا للاعتبارات السياسية حتى تنفذ الأخيرة مطالب السياسيين الغربيين. ولكن المستثمرين الأجانب يعتزمون البقاء في روسيا لفترة طويلة من الزمن. ويبلغ حجم الاستثمارات المتراكمة في روسيا اليوم 150 مليار دولار. ولا ينوي المستثمرون الهروب من روسيا بل على العكس من ذلك يزيدون من حجم استثماراتهم فيها.
كاتب ومحلل سياسي روسي