منذ 60 عاماً إلا قليلا.. وبالتحديد في عام 1949م، كان العالم مشغولاً بصياغة اتفاقيات جنيف الأربع ووضع البروتوكولات الملحقة بها. يومها تنفست الدنيا الصعداء وحَسِب الناس أن البشرية آبت أخيراً إلى رشدها، وأدركت بوعي عميق فحوى الدروس المريرة المستفادة من ويلات حرب عالمية ضروس دامت على مدار ست سنوات.

وعصفت بالسلام ودمرت العمران وأزهقت ملايين الأرواح. لهذا حرصت اتفاقيات جنيف على تجديد وتطوير الصكوك الدولية الملزمة للمجتمع العالمي وكان في مقدمتها، على نحو ما قضت به الاتفاقيات المذكورة ضرورة حماية السكان المدنيين خلال زمن الحرب. وانصرف التعريف الأساسي لهؤلاء المدنيين على أنهم أولا العناصر غير المقاتلة، وعلى أنهم يضمون بين صفوفهم بداهة النساء والمسنين والأطفال.

وإذا كان من مراقبي الشأن الدولي من تصّور أن النساء يمكن أن يشاركن في القتال في ظل ظروف معينة، وأن كبار السن يمكن أن يعهد إليهم بأدوار معاونة تحسب في التحليل الأخير على هذا النمط من المشاركة، فقد ساد إجماع على أن «الأطفال» بالذات يجب أن يظلوا بمنأى عن هذا كله، بل يتحتم أن تسبغ عليهم الحماية من ويلات القتال، وأن تكفل لهم أسباب السلامة من الأضرار الجسيمة والنفسية والعصيبة التي تنجم عن مثل هذه الويلات.

هكذا دخل العالم بقدر من التفاؤل مرحلة البدايات من النصف الثاني من القرن العشرين، ولاسيما بالنسبة لحماية ورعاية الأطفال بوصفهم براعم الحاضر وأمل المستقبل إلى آخر التعبيرات البلاغية المنمقة التي تتردد بكل اللغات وفي جميع الثقافات.

بيد أن هذا التفاؤل ثبت للأسف أنه قصير العمر، وأنه كان يستند إلى حسابات غير منضبطة لا تراعي نوازع الشر في نفوس البشر، ثم أثبتت الأحداث أيضاً أن هذا التفاؤل كان قصير العمر.. فقد جاء عقد الثمانينات من القرن الماضي ليشهد الفصول الأولى من تراجيديا استخدام الأطفال في الصراعات المسلحة ولم يكن الأمر يتعلق باستخدام الطفل مثلاً في عمالة السخرة لخدمة الجنود وراء خطوط القتال، وهو أمر مرفوض بحد ذاته..

ولا في حشد التعبئة الإعلامية والمعنوية التي يشارك فيها الأطفال بالأهازيج أو الأناشيد الحماسية ـ لقد بدأت منذ ربع قرن تقريباً أبشع ظاهرة في التعامل مع الأطفال شهدتها الحضارة الحديثة وهي الظاهرة التي تصفها العبارة الموجزة التالية: «الأطفال.. الجنود» بدأت هذه الظاهرة تلوح بشكل بارز ومتبلور ومتاح للرصد والدراسة في أصقاع القارة الإفريقية.

وفي غمار اندلاع الحروب الأهلية التي أنشبت مخالبها في أنحاء متفرقة لأسباب شتى لم يكن بينها سبب نبيل واحد أو دافع شريف يمكن فهمه أو تبريره. لقد انقضت بالطبع حقبة حروب التحرير الوطنية التي سبق وخاضتها القارة السوداء منذ الخمسينات والستينات.. يومها كان الأفارقة يركّزون جهودهم لتحرير أوطانهم من نير الاستعمار بكل أنواعه: الفرنسي أو الايطالي أو الاسباني في الشمال الإفريقي (العربي المسلم) .

وفي غرب إفريقيا (منطقة الفرانكفون الناطقة بالفرنسية) والاستعمار البلجيكي (في الكونغو الشاسعة الأرجاء وكانت موضوعيا من أغنى مناطق العالم من حيث الموارد المعدنية الثمينة) والاستعمار الانجليزي (في وسط القارة وشرقها) ثم الاستعمار البرتغالي في أنغولا وموزمبيق). لكن مع الربع الأخير من القرن تبددت من الذاكرة الجامعة لإفريقيا ذكريات التضحيات الوطنية لصالح قضية التحرير، وبدأت تشحب من الذاكرة أسماء الزعماء الوطنيين الكبار الذين قادوا حروب التحرير للتخلص من ميراث الحقبة الكولونيالية.

وهكذا نسي الناس أسماء نكروما وكينياتا وموريبو كيتا ونيريري وباتريس لومومبا، وحلّت محل هذه الأسماء الجليلة أسماء ومسميات تحملها طبقة جديدة من العناصر التي يستبد بها جشع متوحش إلى الثروة وجوع نهم إلى السلطة والنفوذ واستهانة لا إنسانية بالأعراف والأصول والعقائد والأخلاق.. وحملت هذه العناصر الوصف الذي ما زال شائعا (ويتردد الآن في أنحاء الصومال بالذات) وهو: «بارونات الحرب».

وهم بالتأكيد قادة الميليشيات التي استخدمت أطفالاً تتراوح أعمارهم بين العاشرة والتاسعة عشرة ـ يحمل كل منهم مدفعاً أو صاروخاً يكاد يطول قامته الصغيرة أو يتجاوزها وقد دربوه على استخدام آلة القتل والدمار بعد أن اختطفوه عنوة أو غيلة من محيطه العائلي وألحقوه مع المئات من أقرانه من أطفال الشقاء بمعسكرات لا تقتصر كما يؤكد على مجرد التعامل مع السلاح، بل إنها تشمل برامج ودورات ترمي إلى غسيل مخ هذه البراعم الصغيرة البريئة.

أو التي كانت كذلك، بحيث يصنع منها الأشرار مخالب قط أو مشروع كائنات متوحشة ومن ثم يصار إلى إطلاق هذه الكائنات التعسة في الأدغال أو الصحاري أو الوديان وأحيانا في مسالك المراكز الحضرية لكي تنشر الدمار ولا تدري عواقبه ولا يردعها في ذلك وازع من ضمير ولم تنضج مداركها لكي تعرفه، ولا رادع من خلق أو تربية أو إيمان لأنها نشأت على ما يناقضه على طول الخط..

هكذا أصبح هؤلاء الجنود ـ الأطفال أداة رهيبة لخوض حروب التخريب والتدمير ـ وتهريب الألماس والتسلل عبر الحدود ومن منافذ السدود وترويج تجارة المخدرات والأسلحة والذخيرة غير المشروعة وأحياناً المشاركة بغير وعي في أبشع أنماط الاتجار وهو.. تجارة البشر.. من هنا باتت تصدق على هذه الطفولة المدمرة التسمية المتعارف عليها في الإعلام العالمي وهي: «أخطر أنواع الأسلحة لخوض أسفل أنواع الحروب».

وتؤكد منظمات حقوق الإنسان الدولية أن العالم يضم بصورة أو بأخرى نحو 300 ألف من هؤلاء الأطفال الجنود الذين يجري استغلالهم في خوض الحروب المشتعلة في أنحاء شتى من خارطة عالمنا وخاصة إفريقيا.

ويضيف الكاتب الأميركي جيفري جنتلمان في دراسة نشرتها «نيويورك تايمز» (الملحق السياسي بتارخ 29/4/2007) إن خطورة هذه العناصر تزداد وتتفاقم بعد أن ينتهي الصراع الداخلي الذي تشارك في خوضه فإذ بها تتحول للانخراط في سلك عصابات إجرامية تهدد في الصميم الأمن الوطني لأكثر من دولة وأكثر من مجتمع.

صحيح أن ثمة سوابق شهدها التاريخ المعاصر، وأشهرها ـ كما تقول الدراسة الأميركية ـ تجربة النازية في تجنيد المراهقين الألمان وخاصة في لحظات يأس النظام الهتلري من تحقيق الانتصار على الحلفاء مع أواخر مراحل الحرب الكونية الثانية.. إلا أن أمر تجنيد الأطفال وسط ظروف انهيار الدولة كنظام وكيان أدى إلى فوضى ضاربة أطنابها تغيب فيها أي قواعد للاشتباك بل وأي معايير تحكم سلوكيات الإنسان.

ويمكن القول إن إفريقيا ـ وربما مناطق مختلفة ونامية مثلها في العالم ـ هي التي دفعت ثمنا فادحاً لانتهاء الحرب الباردة.. ففي غمار تلك الحرب ـ الثلث الأول من عقد الخمسينات ـ كان هناك التعاون والعون المستمدان من الاتحاد السوفييتي أو من أقطار أوروبا الشرقية أو حتى من كوبا.

وكانت الولايات المتحدة بدورها لا تتورع عن مد يد المساعدة سواء من خلال مؤسساتها الوطنية أو عن طريق المنظومة الدولية. صحيح أن الدول الكبرى كانت تتبع هذا النمط من السلوك في إطار تنافس القطبين أو المعسكرين الشرقي (الشيوعي) والغربي (الاقتسام) خلال الحرب الباردة ـ إلا أن ثمة اتجاهاً كان سائداً وثمة هدفاً كان منشوداً، وهو إنشاء كيان الدولة في هذا البلد الإفريقي أو ذاك..

لكن الفرقاء مع عقد التسعينات شهدوا هذا الكيان وقد انهار ـ في بلد مثل ليبريا وقد أنشأوه صنيعة للولايات المتحدة حيث تسود أخلاط العبيد العتقاء العائدين من محنة الرقيق في أميركا، في ذلك البلد على سبيل المثال ـ انهارت الدولة.. واندلعت الحروب الأهلية ـ ونزحت ثروات البلد وها هو رئيسها السابق «صمويل تايلور» حاليا يمْثل أمام المحكمة الجنائية الدولية منهما بارتكاب جرائم حرب واقتراف جرائم يعاقب عليها القانون الدولي الإنساني.

وليس صدفة على سبيل المثال أن يتصدر قائمة أكثر الكتب في أميركا رواجا كتاب صادر مؤخرا بعنوان «الشوط الطويل» منسوب إلى «إسماعيل بييه» ويحرص الناشر على أن يقدم تعريفه لهذا الكتاب في عبارات تقول: «إن صاحبه واحد من الأطفال الجنود سابقاً في سيراليون.. يحكى عن مشاوير القتل التي أمعن فيها تحت تأثير المخدرات ـ وكيف عاد أخيرا إلى كنف الإنسانية».

لهذا كله ـ يحرص المجتمع الدولي ـ ممثلا في الأمم المتحدة على أن يولي اهتمامه العميق لمأساة الأطفال الجنود خاصة بعد أن تدارسها مجلس الأمن الدولي واصدر بشأنها قراره الشهير رقم 5235 في صيف عام 2005 الذي قضى بإنشاء آلية خاصة لرصد هذا الانتهاك الجسيم لحقوق الطفل، والإبلاغ عن مثل هذه الجرائم التي تغتال براءة البراعم التي توجب الأديان والرسالات رعايتها لعلها تسهم يوما في تعزيز الحضارة وتقدّم الإنسان.

كاتب مصري