بعد أن هدأ المهرجان الأربعيني لنكسة يونيو 67، وبعد أن أفرغ الشامتون والحاقدون شحنتهم، نعود لنقارن بين وضع الأمة العربية آنذاك ووضعها الآن، ما خسره العرب في 67 من الأرواح لم يتجاوز العشرة آلاف شهيد.
وهي حصيلة لا تعادل حتى واحد في المئة من حصيلة القتلى من العرب في العراق ولبنان وفلسطين خلال الأعوام الأربعة الماضية، خاصة بعد أن اقترب عدد الضحايا في العراق من المليون حسب تقارير المعلومات الرسمية التي قدرتهم بنحو سبعمئة ألف في مطلع هذا العام، في حين أن جهات أخرى تقدرهم بأكثر من ذلك بكثير، ولا يمر يوم واحد إلا ويقتل فيه العشرات و المئات من العرب من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، بينما كانوا ضحايا حرب 67 كلهم تقريبا من الجنود في ميدان القتال.
وربما يرى البعض أن هزيمة 67 كانت سياسية ومعنوية أكثر منها مادية وبشرية، وهذا أمر صحيح، وقد احتلت إسرائيل بالفعل أراضي عربية لكنها لم تستطع أن تغزو بلدا وتحطم شعبا وتفتت أوطانا وتزرع فتنا و صراعات طائفية وتحطم كيان وثقافة وقيم ومبادئ شعب مثلما حدث في العراق ومثلما هو مرشح للحدوث في لبنان وغيره من الأقطار العربية، وأهم شيء يجب ذكره أن هزيمة 67 لم تحطم إرادة وكرامة وعزم وتصميم الأمة على الحرب حتى النصر.
ولم تمنع أو تحول دون توحد كلمة الأمة وراء قيادتها الوطنية وتمسكها بها حتى النصر، وهو ما أضاع على إسرائيل وحلفائها حلاوة النصر في 67، وصدق من قال أن الأمة العربية لم تر في تاريخها توحدا و تجميعا للشمل والقوى مثلما رأت بعد هزيمة 67 وكأنهم كانوا في حاجة لهذه الهزيمة لكي ينبذوا الفرقة بينهم ويشعرون أنهم أمة واحدة مصيرهم واحد وعدوهم واحد، وهذا ما عبر عنه الشارع العربي آنذاك من المحيط إلى الخليج.
ما يحدث للأمة العربية الآن أكبر وأقسى من كل الهزائم، و المأساة الكبرى فيما يحدث الآن ليس فقط في عدد القتلى والدمار وانتشار الفتن والحروب العبثية بل فيما هو أخطر من ذلك بكثير، ألا وهو الغياب التام للشارع العربي وسلبيته الملفتة للنظر والمثيرة للتساؤلات الكثيرة، هذا الشارع الذي كان له الدور الأكبر والرئيسي في 67 عندما هب عن بكرة أبيه من المحيط للخليج يرفض الهزيمة، وكان لهبته أكبر الأثر على الأنظمة الحاكمة التي لم تجد مفرا من إدارة ظهرها للأعداء والاستجابة لمطالب شعوبها، هذا الشارع العربي نجده الآن غائبا أو مغيبا تماما وكأن شيئا لا يحدث أمامه و من حوله.
نكسة 67 لم تكن التحرك الأخير للشارع العربي، بل انفعل هذا الشارع بعدها وتفاعل كثيرا مع القضايا القومية التي تهم أمتنا العربية، وربما لا نبالغ إذا قلنا أن آخر تفاعل لهذا الشارع كان مع الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة يوم استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة في سبتمبر عام 2000، لقد شاهدنا المظاهرات تندلع في شوارع المدن العربية من المحيط إلى الخليج وشاهدناها في مدن لم تعرف المظاهرات من قبل في دول الخليج،.
وبعدها توقف النبض القومي للشارع العربي بشكل ملحوظ، ولم يحركه الآلاف من الشهداء والقتلى من الشيوخ والنساء والأطفال ممن هم أصغر من الدرة، ولم يحركه سقوط واحدة من أكبر ثلاثة عواصم عربية في التاريخ في يد الاحتلال الأميركي، ولا استشهاد الشيخ المناضل أحمد ياسين رمز النضال العربي، ولا غيرها من المشاهد الكثيرة التي تمر علينا كل يوم ليلا ونهارا.. ترى ما سبب غياب الشارع العربي؟
هل هو الإعلام الذي استنزف واستهلك انفعالات هذا الشارع بتكثيف أخبار القتل وأعداد القتلى ومشاهد الجثث اليومية ؟، ربما يكون لهذا دور، ولكن للإعلام أيضا دور في حشد الشارع وتحميسه.
هل هي الأنظمة الحاكمة وأساليب بعضها القمعية ؟، ولكن الأنظمة هي الأنظمة لم تتغير منذ سنوات وعقود طويلة، إذن ما هو السبب وراء غياب وتغييب الشارع العربي؟
إنها النخبة السياسية التي كانت دائما تقود وتحرك هذا الشارع وتجمعه حول قضاياه القومية، هذه النخبة التي غرقت في السنوات الخمس الماضية في قضايا غريبة ومستوردة، لا هي بالقطرية ولا هي بالقومية، قضايا أبعد ما تكون عن واقع شعوبنا العربية وقضاياها الملحة والمصيرية، قضايا طرحها علينا أعداؤنا ليلهونا بها عن قضايا أمتنا الحقيقية.
إنها مأساتنا الحقيقية نحن العرب الآن والتي هي في الواقع أكبر بكثير من نكبة 48 ونكسة 67، إنها مأساة أمة تحتضر وتضيع، ولا تجد من أبنائها من ينهض بها لأن نخبتها السياسية غائبة وغارقة في أوهام الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي وغيرها من الأوهام البعيدة عن الواقع المرير لأمتنا التي تحيط بها النيران من كل جانب.