ما جرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة الأسبوع الماضي كابوس من العيار الثقيل أنهى حقبة عربية رديئة وبدأ أخرى أكثر سوادا ورداءة من كل ماسبق وعرفه التاريخ العربي على كثرة ما عرف من نكبات.لم يكن الدم الفلسطيني هو المحرم الوحيد الذي سقط تحت أقدام فئتين تتصارعان تصارع سجينين على إدارة الزنزانة (بتعبير الدكتور عزمي بشارة) بل إن محرمات كثيرة تم نسفها نسفا ربما أخطرها معاني مثل الوطن والتحرر والمقاومة.

فالوطن الذي ظللنا نحلم به لحما ودما يتخلق من رحم النكبات سقط مثل ورقة خريفية.. ظللنا نغني لمولده عقودا طويلة، فلما مات لم يعبأ بوداعه أحد، إذ أن الأفكار العظيمة تموت غريبة حين لاتجد من يستحق أن تتحول إلى واقع على يديه. ولم يعد الوطن الفلسطيني الآن خارطة وعلما ونشيدا وسيادة..

لم يعد حلما لأحد، فالذين حلموا دهستهم خيول الواقع المر الذي يشرب فيه الأخ خمر السلطة في جمجمة أخيه. أما التحرر فلم يعد الخروج من سجن المحتل بقدر ماأصبح يعني التمرد على سلطة الأخ الشقيق والانقلاب عليه ومساواته بالعدو.. كذلك تدنست المقاومة حين ولغ المقاومون في دماء بعضهم البعض، ولم تعد هناك يد طاهرة تدافع عن فلسطين لأجل فلسطين.

لاوزن لشيء في أرض الرباط التي تحولت إلى أرض نكبات بامتياز، ولم يعد هناك معنى لشيء حتى فكرة العدو نفسها سقطت.

ما جرى ليس شيئا عارضا ولا هو كسر يمكن جبره، فالأرض التي وحدتنا على كثرة خلافاتنا طوال ستة عقود صارت الآن مكانا لتصفية حسابات وحروب بالوكالة بين العرب وبعضهم بعضا، وبين قوى اقليمية وقوى دولية تحرك الجميع مثل قطع شطرنج، ثم يضحك اللاعبون ملء أفواههم ويتصافحون في نهاية اللعبة.

طوال عقد ونصف كانت المقاومة شعاع أمل يأخذ بيدنا في الظلمات، جعلتنا ننسى آلامنا واحباطاتنا، ولأن المقاومة هناك عربية فإنها ككل شيء «عربي» خدعتنا وغررت بنا وأوهمتنا أن السراب ماء مثلها مثل الأنظمة الثورية التي شوهت نفسية العربي وحولته إلى حطام إنسان.

كنا نظن أن حركات فلسطين المقاومة تعلمت من دروس التاريخ.. تصورنا للحظات أن حماس وعت تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وأنها تتصرف بحكمة ووعي يجعل الايقاع بها أو توريطها في غير الصراع الأساسي مستحيل وتصورنا أن فتح وعت تاريخ الثورات في العالم العربي وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأنها تعلمت من فخ أوسلو، لكن الظن شيء والواقع شيء آخر، فجميعهم قابيل.. وجميعهم قتل بلا وعي القضية الفلسطينية ورقص فوق جثتها نشوان كأنه فتح عكا.

ليست فلسطين وحدها من تدفع الثمن.. كل العرب الشرفاء يدفعونه الآن.. كل الذين تمسكوا بالثوابت وكانوا متيقنين حتى أيام خلت أنهم على الطريق الصحيح يراجعون الآن قناعاتهم، لكأن هذا الجيل التعيس غير موعود الا بالنكبات.. الآن تعلو أصوات دعاة الانبطاح.. لسان حالهم يقول لأولئك القابضين على الجمر..ألم نقل لكم.. إن الزمن لم يعد زمن مقاومة. نعم هو إذن زمن المساومات والحلول المبتورة والأوطان منزوعة الرجولة.

زمن لم يعد مناسبا للكلام عن حق عودة اللاجئ المشرد وأبيه وجده، ولا عن القومية والوحدة، ولا عن وطن واحد من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.. كل شخص فينا تحول بذاته إلى وطن يمشي وئيدا حاملا أثقال تاريخ طويل، كأنها وزره الذي لا يعرف أين يلقي به حتى يتخفف من العناء. لدينا الآن 400 مليون وطن كل منها بعلم ونشيد، والحصيلة كما تعلمون، فلا نامت أعين السفهاء.

magdishendi@hotmail.com