العيوب الجوهرية التي أفصح عنها الخطاب الإعلامي العربي قبيل معركة 1967 ثم أثناء مجرياتها الميدانية، أضافت الكثير إلى مقولة ان العرب ظاهرة صوتية. كانت تلك العيوب والنواقص من الفداحة، بحيث ضاعفت الإحساس بالهزيمة لدى الأجيال العربية التي عاصرت تلك المعركة واكتوت بتداعياتها الكارثية.
وقتذاك، بدت عملية استعادة الثقة في هذا الخطاب ذي المرجعية القومية منه بالذات، أقرب إلى المستحيل ليس فقط مع الجماهير العربية وإنما أيضاً في جهات الدنيا الأربع.
لكن الذي حدث أن جهود إعادة البناء والإصلاح الإعلامية اللاحقة نجحت إلى حد ملموس في هذه العملية الشاقة. وفي الوقت الراهن، يبخس هذه الجهود حقها من لا يلحظ المسافة الكبيرة بين إعلام جولة 1967 على الجبهات المصرية والسورية والأردنية وبين ذلك الذي لازم معركة أكتوبر 1973على الجبهتين المصرية والسورية أو معركة صيف 2006 على الجبهة اللبنانية.
ومع ذلك فإن معظم المقاربات العربية لدور الإعلام في معالجة القضايا الساخنة، مازالت محفوزة باتهام وبفكرة مسبقة يمكن التشكيك في صحة كلٍ منهما. الاتهام محوره أن هذا الإعلام قصر مطولاً، أو حتى دوماً، في توصيل وجهة النظر العربية والاشتباك الفاعل مع الخطابات والرؤى المغايرة أو المضادة على الصعيد الدولي.
أما الفكرة المسبقة فهي المبالغة في موقع النشاط الإعلامي، بما يجعله في صدارة مداخل التعامل في حقل العلاقات الدولية التي يتوقف على أدائها كسب قضايا الأمة أو خسارتها.. ببعض التأمل تتضح الصلة القوية بين هذين المنطقين.. إذ ان لوم الإعلام وتحميله ما لا طاقة له بتحقيقه، لا يبرره سوى المبالغة في دوره بين أدوات الصراع. وهذه فرية لا يُقرها فقه الانتصار والهزيمة، فالإعلام أداة واحدة في ضفيرة كبيرة من الأدوات الرديفة والموازية.
الإعلام يشارك في تهيئة البيئة المناسبة لتحقيق الأهداف والتعريف بجدارتها وحقوقيتها. ثم إنه يواكب الأحداث والقضايا بالتوضيح وتعبئة الرأي العام من حولها وتوجيهه بما يخدم موقف الطرف المعني ويستقطب له التأييد والمؤازرة السياسية. وفي وقت لاحق، يعمل على الإضاءة حول ما يجري، مستمراً في وظيفته التوضيحية والتبريرية، والاشتباك الواعي مع الدعاوى المعادية لإسقاط حجيتها والبرهنة على زيفها. لكن الإعلام على أهميته في ضوء العولمة وتجلياتها، لا يصنع الأحداث وحده، ولا يسعه إنشاء صروح بطولية من العدم.
هذه التعميمات على شهرتها ورسوخها في فقه الصراعات الدولية،تبدو غائبة عن المقاربات التي تبكت أو تجلد الأداء الإعلامي العربي بشأن الصراع الصهيوني العربي والقضية الفلسطينية. والظاهر أن الرسميين العرب بالذات يودون أن يبلغوا بالإعلام ما لم يبلغوه ببقية الأدوات الصراعية الظهيرة. من يطالع خطاب هؤلاء، يكاد يفهم مثلا أن مبادرة السلام العربية تعاني من قلة الترويج، ولا تحتاج إلى أكثر من «التسويق» والتعريف الجيد كي تلاقي الترحيب والقبول الحسن لدى المخاطبين بها!.
ونحسب أن سلوكا كهذا يستبطن التغطية على عوار الأداء العربي بالنسبة لبقية مداخل الصراع والتسوية مع إسرائيل.. إنه بمثابة إصدار شهادة إبراء ذمة بحق هذه المداخل الاقتصادية والسياسية والقانونية والدبلوماسية والعسكرية الخ..بينما ترتيب المسؤوليات بشكل موضوعي يعني عكس ذلك تماماً. فالمبادرات الإعلامية قوة وضعفاً، فاعلية وهشاشة، إنما تلحق بأداء الأدوات الأخرى وتستند إليه.
لنتذكر مثلاً، الضربات التي كالها الإعلام العربي وحجم الصدقية التي استحوذ عليها في الإطار العالمي، دون استثناء قطاعات و دوائر غربية واسعة، إبان الصلابة العربية في حرب أكتوبر 1973، أو أثناء تصدي المقاومة اللبنانية للعدوان الإسرائيلي صيف العام الماضي. وبالمنطق ذاته يثور التساؤل عن مصير هذه الصدقية واستمرارية تآزر هذه القطاعات، بالنظر إلى تراجع الاستثمار السياسي، عربياً وفلسطينياً، لهذه الوقائع؟
هذا السؤال الأخير مهم جداً لمن أراد استبصار موعظة الصلة ما بين الإعلامي والسياسي بصفة استثنائية.
فالرأي العام، الذي يقصد الإعلام استقطابه وتعبئته، هو كالمرأة اللعوب التي تغير قلبها بسهولة إذا ما قصر أصحاب القضية في إمداده بالوقائع والمعطيات المغذية لمواقفهم أولاً بأول، بدأب لا يعتريه الملل ولا يركن إلى الدعة والاطمئنان. وبصفة عامة فإن المساحات التي يكسبها الإعلام العربي في المناسبات التي يرتقي فيها أداء العرب على الصعد والجبهات الأخرى، قابلة للانحسار أو حتى الزوال كلياً عند انتكاس هذا الأداء.
بمناسبة الإشارة إلى العلاقة العضوية بين الخط البياني للإعلام الفاعل وبين التوظيف المميز لبقية الأوراق والأدوات المتاحة، يجدر الانتباه إلى أن هذه القاعدة تظل صحيحة عند الحديث عن الحركة الإعلامية على ساحات أو دوائر محدودة أو حتى معدومة التعاطف مع قضايانا، كالساحتين الأوروبية والأميركية.. لكنها لا تفقد صحتها ووجاهتها إذا ما تحدثنا عن الساحات المعروفة تقليدياً بتأييد حقوقنا، كما هو حال الدائرة الأفروآسيوية.
فقد عزف الرأي العام الأفروآسيوي عن متابعته لهذه الحقوق وانشغاله بقضايانا، بعد أن تعاملنا معه كرصيد مضمون يمكننا الاعتماد عليه والسحب منه في أي وقت، بغض النظر عن المستجدات والمتغيرات التي تعتري السياسات والمواقف العربية ذاتها. لقد أردنا من بعض الأصدقاء والحلفاء أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك !.
مع ذلك كله ومثله مما يضيق المقام بالاستطراد اليه، هناك من يفترض أن الإعلام يمكنه وحده اجتراح معجزة المداراة على قلة الحيلة العربية العامة، ومداواة عقدة العجز في تشغيل أدوات التعامل الأخرى. ومن بين آيات هذا الفرض، نوعية القرارات والكلام الكبير الذي يصدر عادة عن اجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب. من ذلك مثلاً أن السادة الوزراء كثيرا ما يتحدثون عن ضرورة تقعيد خطاب إعلامي موحد.. ترى كيف سيتأتى ذلك في ضوء أكثر من تيار فكري وسياسي عربي، اللهم إلا إذا آمنا بأن الإعلام صنعة حكومية بحتة! فهل هو كذلك أم أن هذا هو ما يرجونه من الإعلام المقصود ؟.
وفي حالة كهذه، هل من الحكمة أن ينطلق الإعلام العربي معبراً عن رؤيةٍ فكرية أو سياسية واحدة ، أم أن الأوفق هو تعدد الأصوات ولكن بشكل متناغم ومتناسق، لتعلم الأقوام الأخرى أن أمة العرب ليست كتلة صماء، بل تموج بالأفكار والرؤى شأن كل خلق الله من الأمم الحية؟. والتعددية التي ننشد ونقصد غير الانقسام والتشظي. الإعلام الإسرائيلي من آباء الدفع بحرية التعبير في حدود الانضباط وراء ثوابت وأهداف مشتركة ، علما بأن هذا الإعلام يخضع للرقابة عبر مكتب يتبع مباشرة رئيس الوزراء !.
وقبل ذلك وبعده، هل يليق بمن يضع على كاهل الإعلام عبئاً بالغ الثقل مقارنة بالأدوات الصراعية الأخرى، أن يبخل عليه بالإنفاق اللازم؟. ألا يصح في عُرف هؤلاء إجراء عمليات استبدال لخانات تمويل هذه الأدوات، بحيث يحظى الإعلام بما يعزز المكانة التي ارتضوها له؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني