فيما تتواصل الحوارات في القاهرة، بين مسؤولين مصريين وكل وفد من فصائل المقاومة الفلسطينية على حدة، تمهيداً، للقاء جماعي يناقش حصيلة ما توصل إليه الوسطاء المصريين بشأن قضايا الاتفاق والخلاف، اندلعت جولة جديدة من العنف والاشتباك المسلح بداية من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، توقفت بعد يومين إثر تدخل سريع من قبل الوفد الأمني المصري المقيم في غزة.

بعد يومين من انتهاء الاشتباكات في رفح، وتحديداً يوم الاثنين الحادي عشر من الجاري، اندلعت شرارة جولة جديدة من العنف ابتداءً من مخيم جباليا في شمال القطاع لتشكل هذه المرة نقطة تحول خطيرة في الصراع على السلطة، ولترسم معالم مرحلة جديدة تماماً بالنسبة للسلطة الفلسطينية والوضع الفلسطيني بأكمله، فلقد أعلنت حركة حماس سيطرتها على شمال قطاع غزة، بعد أن «نظفت» ما تبقى فيه من مواقع الأمن الوطني وبقية الأجهزة الأمنية لتتوالى بعد ذلك الإعلانات عن سيطرتها على معظم مناطق القطاع بما في ذلك مدينة غزة.

عند هذه الحدود كانت قوات القسام والقوة التنفيذية التابعتين لحركة حماس قد نشرتا أفرادهما المسلحين في معظم الشوارع والطرقات العامة بحيث أصبحت قادرة على منع تحركات قوات وأفراد الأمن الوطني والأجهزة الأمنية من منطقة إلى أخرى.

وخلال هذه الدورة من العنف والقتال من أجل الصراع والقرار في السلطة، توقفت تماماً إلى حد الشلل التام قدرة القوى الوطنية الأخرى، والوفد الأمني المصري عن لعب دور الإطفائية كما كان يجري في مرات سابقة الأمر الذي يؤشر إلى أن هذه الدورة تتسم بالحسم وفرض الأمر الواقع الذي ينتج عن حركة السلاح والمسلحين.

اللواء برهان حماد مسؤول الوفد الأمني المصري، اضطر للإعلان عن موعد اجتماع في مقره دعا إليه الطرفين، فتح وحماس، لكن الاجتماع لم يتم بسبب عدم حضور وفد حماس كما ذكر حماد في اليوم التالي، مما اضطره كخيار أخير لدعوة المواطنين للخروج إلى الشارع في مسيرة جماهيرية وسط مدينة غزة تعرضت لإطلاق نار وسقوط ضحايا وجرحى.

كان المواطنون الفلسطينيون والمراقبون السياسيون يتوقعون أن تكون الدورة المقبلة من العنف حاسمة، ولكنهم اعتقدوا أنها ستقع بعد الانتهاء من امتحانات الثانوية العامة التي تتم لأول مرة وفق المنهاج الفلسطيني الموحد، غير أن هؤلاء فوجئوا بأن الأوضاع انفجرت في يوم الامتحانات، اختيار التوقيت كان مهماً.

حيث اندلعت دورة العنف الحاسمة فيما كان المجلس الثوري لحركة فتح يجتمع منذ يوم الأحد العاشر من هذا الشهر في رام الله مما يعني أن قيادات فتح والسلطة ستكون خارج قطاع غزة، وذلك أمر كان تأثيره واضحاً على أداء حركة فتح، والأجهزة الأمنية خلال الأيام الأولى من الاشتباك والتي مهدت الطريق أمام حسم الأمور بسرعة، حيث أدى ذلك إلى تفكيك وضعف أداء تلك الأجهزة، وإلى انهيار معنوياتها، وعدم وجود الحد الأدنى من التنسيق القتالي فيما بينها.

الخطاب الإعلامي الصادر عن الحركتين، الذي رافق الجولة الأخيرة من العنف، كان يشير إلى انهيار الثقة بين الطرفين، وإلى وصول الحوار إلى طريق مسدود حيث تتحدث حماس عن أنها لا تستهدف فتح وإنما الجماعة الانقلابية، الصهيو أميركية، والتي أطلقت عليها وصف اللحدية (نسبة إلى ظاهرة لحد في جنوب لبنان) ومنها أفراد الأمن الوطني، فرصة محدودة لتسليم أنفسهم وأسلحتهم، وإلا..

أما اللجنة المركزية لحركة فتح التي لا يظهر اسمها إلا في مناسبات متباعدة فأصدرت بياناً، تتهم فيه «مجموعة منحرفة في قيادات حماس تعمل على انقلاب دموي على الشرعية الفلسطينية والمشروع الوطني والتعددية السياسية» وحملت ما تسميه «قيادة الجناح المتطرف في حماس برفض اتفاق مكة وإرغام وزير الداخلية السابق هاني القواسمي على الاستقالة».

وفيما واصلت حركة حماس على الأرض العمل وفق تقييمها للأمور ونحو الحسم عسكرياً، اكتفت قيادة فتح بالتحذير من أنها لن تسمح لمن تسميهم بالمنحرفين من إقامة كانتون الحقد والكراهية في قطاع غزة، وفي وقت لاحق هددت بتعليق عضوية وزرائها الستة، في حكومة الوحدة الوطنية ما لم تتوقف الاشتباكات.

غير أن الأمور سرعان ما اتخذت أبعاداً أكثر خطورة، حين هددت قيادة فتح التي لم تعد قادرة على عمل شيء في قطاع غزة، بنقل الصراع إلى الضفة الغربية حيث تعتقد أن بإمكانها إلحاق أذى كبير بحركة حماس. وفي الحقيقة فإن بوادر انتقال الصراع إلى الضفة بدأت في نابلس، حين اعتقلت مجموعات من كتائب الأقصى وكيل وزارة الاتصالات وهو من قيادات حماس، قبل أن تندلع فيها اشتباكات صعبة.

الصياغة الجارية للمشهد الفلسطيني تذكرنا بتصريحات أطلقها شارون قبل إخراج قواته ومستوطنيه من قطاع غزة في سبتمبر 2005، حين قال إنه سيترك الفلسطينيين يأكلون بعضهم بعضاً في غزة. وبعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في 25 يناير العام الماضي توقع أكثر من كاتب وصحافي إسرائيلي أن تتطور الأمور عند الفلسطينيين باتجاه نشوء ما أسموه دولة حماسستان في غزة، ودولة فتحستان في الضفة فهل كانت تلك مجرد نبوءة، أم حدس صحافي، أم أنها تؤشر إلى دور إسرائيلي مخطط وهادف؟

في الواقع فإن الدور الإسرائيلي إزاء دفع الصراع الداخلي الفلسطيني بين الحركتين الكبيرتين كان واضحاً تماماً، فعلى سبيل المثال ضبطت إسرائيل وتيرة عدوانها الأخير على قطاع غزة لمنع سقوط الصواريخ محلية الصنع على البلدات الإسرائيلية بما لا يفسد أجواء الاقتتال الداخلي.

كان ذلك قد نوقش مراراً في المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر، والذي أخذ بنصيحة رئيس جهاز الأمن الداخلي آفي ديختر، الذي أقنع زملاءه بعدم اتخاذ قرار في اتجاه القيام بعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة حتى لا يؤدي ذلك إلى توحيد الفلسطينيين صفوفهم تحت ضغط مجابهة العدوان الإسرائيلي.

وربما أصبح معروفا لدى المواطن الفلسطيني العادي وليس فقط المسؤول الفلسطيني بأن الأسلحة والذخائر والأعتدة التي تتدفق إلى قطاع غزة، تأتي من مصدرين رئيسيين، الأول المافيات الإسرائيلية والثاني من خلال الأنفاق على حدود قطاع غزة الجنوبية مع مصر.

المستويات السياسية للفصائل والسلطة تعرف تماماً هذه الحقائق وتدرك تماماً أبعاد ومخاطر الاقتتال الداخلي، واستخدام السلاح لحسم الصراع على السلطة، وهو صراع برامج ورؤى ومشاريع مختلفة غير أن السلوك العملي للقيادات جاء متعاكساً مع وعيهم. يعود هذا التناقض بين الوعي النظري والممارسة العملية، إلى طغيان البرامج الخاصة والفصائلية على العام الوطني، وربما يعكس قدراً من الإقصائية التي تعكس نرجسية واضحة حيث يعتقد كل طرف أن برنامجه يتطابق مع البرنامج الوطني العام.

المشهد الفلسطيني القادم، ترسمه البنادق والدم، غير أن هذه المشهد يتجه نحو دخول القضية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني والنظام السياسي نفقاً مظلماً يصعب معه تحديد مدى الخسائر والمخاطر التي تترتب عنه، الأهون منها حتى الآن سقوط العشرات من الضحايا والمئات من الجرحى خلال أيام قليلة.

كاتب فلسطيني