احتلت العلاقات بين روسيا والغرب وبالمرتبة الأولى الولايات المتحدة موقع الصدارة في قمة «الثمانية الكبار» في ألمانيا. وكانت الموضوع الرئيسي في الحوارات والنقاشات داخل القمة وعلى هامشها، واسترعى هذا الموضوع الانتباه أكثر بكثير من النقاشات المتعلقة بتغير المناخ ومساعدة أفريقيا والأمراض والأوبئة وغيرها من المواضيع التقليدية التي تناقش على قمة الثماني منذ سنوات طويلة مضت دون فائدة تذكر.
ولم يهتم الإعلام العالمي كثيرا بهذه القضايا التقليدية بل ركز على قضايا روسيا مع الغرب، وتركزت أعين الصحفيين بشكل كبير على الرئيس بوتين تتابعه حيثما تحرك، لدرجة أن جلوس المستشارة الألمانية ميركل بينه وبين الرئيس بوش أثار الفضول عند بعض الصحفيين ليتساءلوا. لماذا؟
فاندهشت ميركل من السؤال وأجابتهم ببساطة: لأننا الدولة المضيفة للقمة، ولم يقتنع الصحفيون بالإجابة لأن هناك رؤساء آخرون في القمة فلماذا بالتحديد بين هذين الرئيسين، وثار الجدل ليس فقط حول الخلافات الأميركية الروسية حول الدرع الصاروخي ومشاكل روسيا مع الاتهامات الغربية حول مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها.
بل وصل الجدل إلى حد مناقشة سؤال جدوى عضوية روسيا لنادي الأغنياء وإمكانية أو احتمال طردها من مجموعة الثماني الكبار وعودتها «مجموعة السبعة» كما كانت من قبل بعد ما أصبح وجودها في هذا النادي في حد ذاته مشكلة ليس فقط بالنسبة لواشنطن بل لباقي أعضاء المجموعة أيضاً.
وقد دار الحديث حول هذه القضية بالفعل قبل القمة في الأوساط السياسية في واشنطن ولندن وزاد الجدل حولها عشية الافتتاح الرسمي للقمة في ألمانيا، وطرح البعض أسئلة مثل هل تستحق روسيا عضوية نادي الدول الديمقراطية المتطورة، وبأي مستوى يمكن التعاون معها، وأين ومتى يتطلب الأمر زجرها ؟
وزادت حدة الجدل والنقاش عندما طرحت روسيا فكرة انضمام الصين للمجموعة لتصبح تسعة بدلا من ثمانية، وحضر الرئيس بوش في الكونجرس قبل توجهه للقمة حوارات من هذه النوعية، وكان موقفه منها سلبيا حيث قال «لدينا مصالح مشتركة مع موسكو وبكين وإننا نتعاون في إطار هذه المصالح كما لدينا خلافات جدية في مجالات أخرى».
وحتى المستشارة الألمانية ميركل عندما سئلت حول هذه القضية أجابت بأن وجود روسيا في المجموعة أمر كان في السابق هدية أما الآن فهو واقع تفرضه الظروف الدولية والتغييرات الجذرية على الساحة العالمية وداخل روسيا.
وهذا الواقع لا يمكن تجاوزه أو تهميشه، وقالت إنه ليس من مصلحة باقي أعضاء المجموعة استبعاد روسيا منها وتركها تعمل منفردة على الساحة الدولية ما تشاء، لأن وجودها في المجموعة يتيح الفرص الكثيرة للنقاش والحوار والتنسيق معها ويقلل من التوتر والخلافات.
الحقيقة أن الحديث حول استبعاد روسيا من نادي الأغنياء أمر لا يعدو كونه جدلا غير واقعي بالمرة، وروسيا لا تفتقد لمقومات العضوية أكثر من غيرها، بل على العكس فهي أجدر من الكثير غيرها بالعضوية، فلو طرحت قضية الثراء والغنى كشرط للعضوية فروسيا من أغنى دولتين في العالم في مواردها وثرواتها الطبيعية.
إن لم تكن هي الأغنى في العالم من حيث أنها أقل الدول الثماني استيرادا للموارد الطبيعية الحيوية اللازمة للإنتاج، كما أنها الأقوى عسكريا ونوويا بعد الولايات المتحدة، وكذلك وزنها السياسي على الساحة الدولية وإن كان أضعف منها في الحقبة السوفييتية إلا انه لم يفقد أهميته وحيويته في مناطق كثيرة من العالم ويستعيد قوته تدريجيا.
أما بالنسبة لقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي يستخدمها الكثيرون كمبرر لعدم استحقاق روسيا لعضوية المجموعة فقد ثبت أنها مبرر وحجة واهية وغير منطقية بعد أن انكشف للعالم كله في الأعوام القليلة الماضية مدى كذب إدعاءات الديمقراطية الغربية التي فضحتها سجون التعذيب السرية والتمييز العنصري والمعاملة غير الإنسانية للمهاجرين في الدول الأوروبية الكبيرة.
كما كشفها أيضاً رفض الغرب الديمقراطي لتجارب الانتخابات الديمقراطية النزيهة التي أجريت في العديد من دول العالم وأتت عبر صناديق الانتخاب الحرة بأنظمة رافضة للسياسات الغربية العدوانية، وقد رد الرئيس بوتين في القمة في ألمانيا على منتقدى الديمقراطية في روسيا الرد الكافي عندما قال لهم «أنا الديمقراطي الوحيد».
هو لم يبالغ في رده ولم يجمل الأوضاع في روسيا لكنه شرح لهم بالتفصيل لماذا روسيا الأفضل بعد ما كشف لهم فضائحهم ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم يجرؤ أحد منهم على الرد عليه لأنهم يعلمون جيدا أنه يقول الحق، ويعلمون أيضاً أنه يعرف أكثر مما قال .
لكنه يستحي أدبا أن يواجههم بما يخفونه ولا يعرفه الكثيرون، ولو استفزوه لقال الكثير حول مصادر الإرهاب الدولي وجهات تمويله وجيوش المرتزقة التي تعيث فسادا ودمارا وقتلا في بلدان العالم وغيرها من الأسرار الكثيرة التي تعرفها روسيا ولا تعلنها حرصا على عدم تفجير الأوضاع على الساحة الدولية وحرصا على مشاعر الشعوب الأخرى المخدوعة في قياداتها.
عضوية روسيا في قمة الثماني بالقطع لا تروق للبعض، وذلك لأنها أعطت طابعا أكثر ديمقراطية وصراحة لهذه القمة وهذه المجموعة التي كانت تجتمع عندما كانت سبعة لتقرر مصالحها الخاصة فقط ثم تلقى لفقراء العالم ببعض الفتات من التصريحات الكاذبة مثل مساعدة الفقراء في أفريقيا ومحاربة الأمراض والأوبئة وغيرها من الشعارات الكاذبة التي لا تطعم فقيراً ولا تشفي مريضاً.
وكانوا يقررون رفع بعض الديون عن الدول الأفريقية الفقيرة وهم يعلمون أن هذه الديون كان مصدرها الأسلحة التي يبيعونها هم لهذه الدول لتقاتل بعضها ولتشعل الحروب الإثنية والعرقية في القارة السوداء، وحتى المساعدات المالية التي يمنحونها لهذه الدول تذهب معظمها في الأسلحة التي يشترونها من الغرب.
ولو كانوا صادقين في شعاراتهم فلماذا يعطون أموالا ويسقطون ديونا؟ لماذا لا يبنون المستشفيات والمدارس ويرسلون البعثات العلاجية والتعليمية؟ لماذا لا يشيدون المصانع ويعبدون الطرق ويبنون المساكن الصحية لفقراء أفريقيا؟ إن هذه الأشياء تكلفتها أقل بكثير من عشرات المليارات التي أسقطوها من الديون ومنحوها كمساعدات للدول الفقيرة.
إنهم في مجموعة الأغنياء يعلمون جيدا أن روسيا لم تمارس هذه الممارسات غير الإنسانية في أي مكان في العالم، وحتى في أفغانستان في العهد السوفييتي لم تدمر روسيا المدن ولم تنشر الأمراض والأوبئة ولم تنهب ثروات البلاد، بل شيدت هناك المستشفيات والمدارس وورش العمل، وهذا بشهادة ألد أعداء روسيا في أفغانستان الذين كانوا يحاربون السوفييت بعد أن ذاقوا على يد القوات الأميركية وحلف الناتو الجحيم والدمار والقتل لأبنائهم وزوجاتهم وشيوخهم، وهو ما لم تفعله روسيا.
عضوية روسيا في مجموعة الثماني حق لها أكثر من غيرها بكثير من أجل مصالح البشرية كلها، وكما قال لهم بوتين في قمة عام 2005 في بريطانيا «لقد أن الأوان لدمقرطة نادي الأغنياء الكبار وجعله نادياً لخدمة العالم والبشرية كلها»، ولن يضير روسيا في شيء بقاؤها أو خروجها من هذا النادي، بل سيتضرر من خروجها منه العالم كله بما فيه الدول الغنية التي أصبحت بحاجة كبيرة لروسيا أكثر من حاجة روسيا إليها، وهذه حقيقة يعترفون هم بها ولا تدعيها روسيا.
جامعة سيبيريا
