يشير التوتر الذي تشهده الحدود بين تركيا والعراق، إلى ان الهدوء الذي شهدته هذه المنطقة يمكن ان ينتهي وان تحل محله صورة أخرى قد تمتد لتتمثل في شن هجمات من الجيش التركي داخل الحدود التركية بذريعة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني التي كما تقول تركيا تسبب الذعر للسكان المدنيين في المدن التركية وتنفذ عمليات ضد السكان الآمنين حسبما تقول التصريحات الرسمية التركية أيضاً.

وبالطبع لا يمكن فصل عودة التوتر إلى المنطقة الحدودية عن الأزمة التي تشهدها السياسة التركية حالياً والتي تبدو تجلياتها في أمرين يتعلقان بهذا الملف الأمر الأول هو ان الهدوء الذي تشهده العلاقة بين الدولة التركية والأكراد يبدو انه في طريقه إلى زوال وهذا الهدوء يعد العامل الاساسي فيه هو حكومة حزب «العدالة والتنمية» التي تواجه أزمة حالياً على خلفية انتخابات رئيس الجمهورية.

أما الأمر الآخر فهو يتعلق بأن الأزمة التركية الحالية ومرحلة الاستعداد للانتخابات التشريعية أوجدت خللا ما في عملية صنع القرار التركية، قد يكون من ملامحها ان هناك أجنحة في السلطة تريد عودة التوتر مرة أخرى إلى الحدود التركية العراقية أو انها لها أجندة أخرى مختلفة حول تطورات العراق وهي أرادت استغلال الوضع الراهن من اجل تسييد جدول اعمال آخر ومختلف في السياسة العراقية لتركيا وهو الأمر الذي نتج عنه عودة التوتر مرة أخرى إلى الحدود بين البلدين.

ولا يستطيع المرء ان يستبعد ان ما تشهده الحدود بين البلدين الآن هي مقدمة لتبدل في السياسة التركية تجاه منطقة شمال العراق فقد كانت تركيا في السابق تتصرف وفقاً لسيناريوهين متوقعين يمكن ان يشهدهما العراق باعتبارهما حتميين ليس امام تركيا اي فرصة لتجنبهما، الأول هو سيطرة الشيعة على العملية السياسية في العراق.

وعلى الرغم من ان تركيا تعلم انه لا يوجد توافق تام في الرؤى والآراء بين شيعة العراق وإيران، فهي في نفس الوقت لا تستطيع ان تتجاهل ان الأخيرة اي إيران تتحرك من اجل السيطرة على الرقم الشيعي في العراق وهي بعد ان كانت تتعامل بخفة مع تيار مقتدى الصدر أصبحت تتعامل معه باعتباره لاعباً رئيسياً في المعادلة العراقية.

إضافة إلى ان تركيا تدرك ان تطورات الأمور عادة ما تتحرك لصالح التيار المتشدد وهو هنا سوف يكون التيار المنادي بدولة دينية يسيطر عليها رجال الدين، وهذا الأمر له نتائج سلبية فهي من ناحية سوف تعزز من تيار التطرف داخل تركيا في مواجهة تيار الاعتدال الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، وسوف تعزز أيضاً من فورة الأقلية العلوية التي تطالب بحقوق دينية وثقافية ولها روابط روحية مع المذهب الشيعي، وذلك بالطبع إضافة إلى ما سوف تؤدي إليه من تعزيز الموقف الاقليمي لإيران.

وهذا السيناريو يعطي لإيران ميزة في مواجهة تركيا فيما يتعلق بأنها يمكن ان تسيطر على التطورات العراقية وتجيرها لمصلحتها، بما يفرض تحديات على تركيا التي تريد ان يكون لها دور مركزي في تطورات المنطقة المحيطة بها وهذا الدور قد يكون من متطلبات تحالفها مع الولايات المتحدة ومن مطالب انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي.

اما السيناريو الحتمي الثاني فيتعلق بالمسألة الكردية والمعروف ان قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت وما صدر بعده من وثائق أساسية للدولة العراقية كلها أقرت مبدأ الفيدرالية خاصة بالنسبة للمناطق الشمالية التي يقطنها الأكراد.

وأصبح السيناريو المتوقع بالنسبة للمناطق الكردية يتراوح بين درجة واسعة من الحكم الذاتي، مع الانضواء في دولة عراقية موحدة يرأسها إحدى الشخصيات الكردية البارزة مثلما هو الحال الآن، أو دولة كردية مستقلة لها مقومات واضحة حالياً لأن ذلك يتكون ويترسخ منذ عام 1992 وحتى الآن .

وكافة هذه الخيارات لا تتوافق مع مواقف تركيا في العراق التي كانت في السابق تلجأ إلى الضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط بدورها على الأطراف العراقية الداخلية من اجل الحيلولة دون تأسيس دولة للأكراد، وقد تحققت نتائج جزئية لضغوطها ولكن أصبحت الخيارات المتاحة أمامها هي داخل السيناريوهين الحتميين اللذين سبق وأشرنا إليهما.

ويبدو ان تركيا التي كانت تتحرك في السابق من اجل منع هذين السيناريوهين وكان تحركها في اتجاه واحد هو الولايات المتحدة لكي تتفاوض معها وتحثها على الضغط على الأطراف العراقية لكي يحولوا دون ان تكون التطورات المستقبلية في بلدهم على غير مصالح تركيا.

ولكنها في مرحلة تالية لذلك أدركت حتمية اي منهما وبدأت في البحث عن صيغة مرضية لها من داخلهما، وهو ما يفسر التحركات التي أجرتها في الفترة السابقة تجاه كل من إيران وسوريا والسعودية ومصر وهي حتى الآن لم تسفر عن نتائج واضحة.

ويبدو من سياق التطورات الأخيرة ان تركيا رأت إما ان السيناريوهين الحتميين أصبحا محل شك وان هناك سيناريوهات أخرى بديلة وتستطيع أن تدلي بدلوها في التطورات العراقية أو على الأقل ما يتعلق منها بتطورات الشمال العراقي التي تؤثر ولاشك على الأمن الوطني التركي .

وهذة المناوشات التي نراها اليوم قد تكون وسيلة تركية لجلب أكراد العراق إلى مائدة المفاوضات، سواء مباشرة أو عن طريق حكومتهم، من اجل الحصول منهم على ضمانات تؤمن الوضع بين الجانبين، بما يحول دون تواجد كوادر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق أو على الأقل تواجدهم من دون سلاح .

بحيث لا تستخدم الأراضي العراقية في اعمال مضادة لتركيا وبحيث لا يقدم أكراد العراق اي دعم لوجستي إلى إقرانهم الأتراك . والمرجح أن يكون ما يحدث على الحدود التركية العراقية هو مقدمة لتحولات في علاقة تركيا بشمال العراق وهي تحولات سوف تظهر ملامحها وخطوطها العريضة بعد وقت قصير.

كاتب مصري