سُميت بعض الحقب الزمنية الماضية بأسماء تشير إلى أبرز الظواهر التي انبثقت خلالها، مثل عصر الركود الاقتصادي في ثلاثينات القرن الماضي، وعصر الحرب الباردة، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. أما العصر الحالي، فأفضل تسمية له هي عصر العولمة، وذلك لأن هذه الظاهرة، ظاهرة العولمة، أصبحت تضفي خصائصها على الاجواء السياسية والاقتصادية والثقافية في معظم بقاع العالم.

نلمس في عصرنا الحالي، بشكل لا لبس فيه، بأن الكثير من المحظورات قد أزيل عن الطريق، فأصبح الناس حول العالم أكثر اتصالا ببعضهم من أي وقت مضى، وأصبحت البضائع والأموال والمعلومات تتدفق في مختلف القنوات بسرعة كبيرة لم نعهدها سابقاً، وأصبح ما يُنتج، مادياً أو فكرياً، في مكان ما من العالم، متاحا لآخرين في أماكن أخرى في يسر وسهولة.

كما أصبحت الخدمات المتوافرة في شتى المجالات تكتسب تدريجياً طابعاً متشابهاً هنا وهناك، وأصبح السفر إلى بلدان أخرى أكثر تكرارا من الماضي، وأصبحت الاتصالات الدولية عبر الهاتف أو عبر البريد الالكتروني بين الافراد أو بين المؤسسات الخدمية أو التجارية أوسع وأكثف من ذي قبل، ويزداد عدد المشتركين بشبكة المعلومات الدولية بمعدلات تصاعدية. وأصبح الفرد، في العديد من الدول، يقضي وقتاً غير قصير من يومه في فضاءات هذه الظاهرة للتواصل مع الاخرين ولأداء أعماله المختلفة بكفاءة عالية.

إن القوى الخفية التي أحدثت هذا التغيير وقربت البعيد وجعلت في متناول الجميع مجموعة هائلة من الخدمات المعلوماتية مجاناً هي قوى العولمة. ويمكن تلخيص سمات العصر الحالي بأن العالم من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه قد أصبح أصغر كثيراً عن ذي قبل بفعل هذه القوى.

يتصور بعض الناس بأن جوهر العولمة مرادف لجوهر التجارة العالمية الذي يمنح رأس المال فقط حرية الحركة وحرية التضخم، فالأمر ليس كذلك، فالعولمة تعني أكثر من ذلك بكثير. إذ أن الاليات التي تتيح لرجال المال والاعمال فرص ممارسة أعمالهم وزيادة حجم أرباحهم بحرية، تتيح في الوقت نفسه للناشطين السياسيين و الاجتماعيين و النقابيين و الصحافيين والأكاديميين ولغيرهم، أفراداً ومؤسسات، فرص عرض أجندتهم وتجميع شتاتهم وتحشيد جهودهم.

العولمة هو ما انبثق من فرص في فضاء واسع انخفضت فيه الجدران إلى الحد الذي يسمح برؤية ما وراءها، وامتدت فيه طرقات تسمح بالمرور دون عقبات تذكر، ونمت فيه علاقات تساعد على استثمار أسرع وأوسع للموارد الطبيعية ولرؤوس الاموال، وتراجعت فيه رؤى تعاطف معها نصف سكان العالم، وتميعت فيه إرادات فقدت مرجعياتها الفكرية والفلسفية، وطغت فيه معالم اتجاه شمولي لرسم خرائط جديدة للاقتصاد العالمي،

فمع تقدم وسائل التواصل التي سهلتها تكنولوجيا المعلومات وإلكترونيات الاتصالات عبر المسافات الشاسعة في العالم التي تعمل بشبكة معقدة من الاقمار الاصطناعية في عصر العولمة، تشهد جغرافية الاقتصاد العالمي تغيراً واضحاً بسبب تخفيض الحواجز أمام اختراق البضائع التجارية للأسواق وأمام اختراق رؤوس الاموال التي تُستثمر في بلدان أخرى لسيادة تلك البلدان،

الا أن هذه التحولات الهامة في طبيعة الاقتصاد العالمي لم تجر بشكل متساوٍ ومنتظم في جميع بقاع العالم، بل خلقت المزيد من الرفاه في أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا وتركت الشرق الاوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية في وضع أكثر فقراً عن ذي قبل، ففي الوقت الذي يزداد فيه النشاط الاقتصادي ويتكامل في مناطق محدودة من العالم، تبقى مساحات واسعة، في مناطق أخرى، تشهد مسيرة بطيئة نحو التكامل الاقتصادي، فساكنوها مراقبون وليسوا لاعبين.

العولمة أشبه ما تكون بالنار، فشعلة النار بذاتها ليست سيئة كما أنها ليست حسنة، الاستخدام الجيد لها في الطهي والتعقيم والتدفئة والصناعة يرينا بأنها مفيدة، في حين يقود الاستخدام الارعن لها إلى حصول الحرائق التي قد تدمر مدناً أو غابات بالكامل. العولمة كذلك يمكن أن تكون عامل بناء، وكذلك يمكن أن تكون عامل هدم، فهي قوة تقود إلى تكامل الاقتصاد و توحيد الثقافات على مستوى العالم، وهي في الوقت نفسه قوة قد تقود إلى هيمنة اقتصاد وثقافة دولة واحدة على العالم.

سيكون دائماً لدى العولمة مؤيدون بشكل أعمى، لا يدركون ما تحدثه من دمار أو يتعامون عن ذلك، و سيكون لها أيضاً خصوم متعصبون لا يرون الجوانب الايجابية التي تكمن فيها إذا فهمت واستخدمت بالطريقة المثلى. وكما هو الحال في معظم الطروحات المهمة التي تشغل بال الملأ، ستقف أغلبية الناس في الوسط، لا يرون في العولمة ما يستحق التهليل ولا ما يستحق الرجم.

وإنما يرون فيها مجموعة إكسسوارات ينتقون منها ما يصلح لتحسين هذا الجوهر أو تجميل هذا المظهر. وهذا في الحقيقة ما نشهده كل عام في موعد انعقاد قمة الثماني الكبار: قادة العولمة يتمترسون وراء جدران تحرسها هراوات الشرطة والقنابل المسيلة للدموع، وناقمون عليها يتجمعون من بلدان عديدة يقذفون المبنى وحراسه بالحجارة، كما شاهدنا منذ عدة أيام ما جرى في ألمانيا.

و في الحوارات الساخنة حول العولمة تجري الاشارة إلى أحد الجوانب المهمة فيها، الا وهو كيف تقاس هذه الظاهرة ؟، ما هي سعتها في هذا البلد أو ذاك ؟ أي البلدان هو الاكثر انغماسا فيها؟، و لماذا؟. فظاهرة بهذا القدر من الاهمية في رسم عالم المستقبل ينبغي أن تتوافر وسيلة لقياسها ووضع مؤشر حول مقدارها.

وقد اهتم بذلك أفراد ومؤسسات عديدة، الا أن ما هو معمول به في الوقت الحاضر هو المؤشر المعتمد من قبل مجلة الشؤون السياسية، النصف شهرية، التي تصدر في الولايات المتحدة. وقد وُضعت محاور هذا المؤشر بما يُستدل منها على درجة التكامل الذي يشهده بلد ما مع بقية العالم. أما هذه المحاور فهي:

1. حجم التجارة والاستثمارات الداخلة والخارجة.

2. نسبة السفر عبر الحدود، من و إلى.

3. حجم الاتصالات الهاتفية واستخدامات الانترنت.

4. حجم المشاركة في المنظمات الدولية.

عند الحديث عن العولمة، نحن لا نتحدث عن اتجاه عابر، قد نصحو غداً أو بعد غد، لنتحدث عنه كجزء من الماضي، فهي من معالم النظام الدولي الجديد الذي أفرزته نهاية الحرب الباردة. وقد بدأ هذا النظام بوضع بصماته القوية على الملامح السياسية والاقتصادية لمعظم بلدان العالم تقريباً، وهنا تكمن بالضبط أهمية فهم خصائصه.

لم تعد أحداث العالم منفصلة عن بعضها، كما كان الحال في السابق، فلا مفر من التعايش مع العولمة ومع إحداثياتها المتنوعة، والتعرف على ما تحويه من الايجابيات التي قد تُعزز أو تُطور أو تُنمي جانباً أو أكثر من المجالات الحيوية في حياتنا المعاصرة من جهة، والعمل على تفادي الجانب الاخر الذي يسهم في تشويه أو عرقلة ما نسعى إلى تنميته وتطويره، من جهة أخرى.

من الخطأ النظر إلى العولمة من زاوية اقتصادية فحسب، رغم الاهمية القصوى لذلك، فالعولمة تفرض حضوراً قوياً في محاور عديدة من حياة الفرد و حياة المجتمع، وسوف يكون لآثارها التراكمية دور كبير في رسم مستقبل الثقافات واللغات، وسيكون لذلك تداعيات ليس من السهل الحكم عليها في الوقت الحاضر ما لم يكن لنا إسهام في تحديد مسارات قوى هذه الظاهرة.

ومن الاهمية بمكان أن تحظى هذه الظاهره بالقدر الذي تستحقه من اهتمام في دول الشرق الاوسط، وذلك لأن لها آثاراً تتجاوز كثيراً سلبيات وإيجابيات زيادة حجم الاستثمارات المالية و زيادة حجم التبادل التجاري، إذ لا يمكن تجاهل تأثيراتها على فلسفة التعليم وأهدافه وعلى استراتيجيات البحث العلمي وعلى المعالم الثقافية في المجتمع وعلى مفهوم الامن الوطني، فهذه الظاهرة العالمية تضع أمامنا عناصر تحد كبير للكثير من مسلماتنا ومفاهيمنا.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae