هل يمكن لحاكم دولة في عصرنا الحالي أن يصف نفسه بهذا الوصف ويقول «إنني للأسف لا أجد أحداً أتحدث معه حول الديمقراطية»، لقد قالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة الثمانية الكبار التي اختتمت أعمالها في مدينة هايليغندام الألمانية يوم الجمعة الماضي، قالها بوتين علنا وصراحة في حضور قادة أغنى سبع دول في العالم، علما بأنه لم يسبق له أن قالها أو ادعاها في بلاده روسيا طيلة السبع سنوات الماضية من حكمه، بل كان دائما يقول «إننا على الطريق لتحقيق الديمقراطية».

لقد فاض الكيل، ولم يعد بوتين ولا روسيا كلها تطيق الانتقادات والاتهامات التي توجه لها بأنها بلد غير ديمقراطي ويسودها الحكم الشمولي المستبد، لأنه ببساطة أمر لا يطابق الواقع لا من بعيد ولا قريب، فروسيا في عهد بوتين تعيش عصرا جديدا يبشر بدولة عصرية جديدة بجميع المقاييس، والنجاح الاقتصادي الكبير الذي تحققه روسيا على مدى الأعوام السبعة الماضية ما كان ليحدث ولا ليستمر إلا في مناخ تسوده الديمقراطية والاستقرار السياسي والأمني، ومن يتذكر أحوال روسيا في التسعينات في ظل حكم الرئيس الراحل يلتسين يتبين مدى ما حققته روسيا من ديمقراطية واستقرار.

لقد كان الغرب يشيد ويمدح كثيرا في الرئيس يلتسين ويصفه بأنه رسول الديمقراطية وباعث الحريات في روسيا، بينما كانت دبابات وطائرات الجيش الروسي تدك العاصمة الشيشانية جروزني، تدمر المباني وتحصد الأرواح على مدى أكثر من ستة أعوام، وكانت عصابات المافيا تسيطر على كل شيء في شوارع المدن الروسية وتفرض الإتاوات على كل صاحب كشك أو محل تجاري صغير.

وكانت فئة قليلة لا يتجاوز عددها العشرين فردا من نخبة رجال الأعمال وزعماء المافيا ومعظمهم من اليهود الروس ويحملون الجنسية الإسرائيلية كانوا يتحكمون في اقتصاد الدولة الروسية الكبيرة، كما كانوا يتحكمون في مراكز صنع القرار السياسي في روسيا، ويسيطرون على كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ويعوقون أي دور سياسي لروسيا على الساحة الدولية، وكان الغرب وواشنطن يشيدون بروسيا وما يحدث فيها من تغييرات ويعتبرونها على الطريق الصحيح، بالضبط كما يقولون الآن عن العراق وأفغانستان.

ولكن ما يجوز مع الدول الصغيرة المغلوبة على أمرها لا يجوز مع دولة كبيرة وقوية مثل روسيا تستطيع أن ترد الصاع صاعين لمن يهينها، وهذا ما فعله بوتين في القمة عندما انهال بانتقاداته الحادة على الأوروبيين وواشنطن متهما إياهم بالتفرقة العنصرية وسجون جوانتانامو وأبوغريب والسجون السرية والاعتقالات بدون محاكمات وتفريق المظاهرات بالقوة وقتل المتظاهرين وإهدار حقوق وحريات الأقليات واضطهاد المهاجرين، وغيرها من الانتقادات الحادة التي لم يعتد القادة الكبار سماعها في قمتهم.

لقد صرح المستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر للصحافة الألمانية أثناء انعقاد القمة قائلا «إن بوتين صادق تماما في ادعائه أنه الديمقراطي الوحيد في العالم، بل إني أقول إنه مثالي في ديمقراطيته»، وشرويدر يعرف بوتين جيدا وتعامل معه طيلة السنوات الماضية وكانا صديقين حميمين، ولم ينافق شرويدر بوتين بقوله هذا كما يدعي البعض، لكنه قال الحقيقة التي يعرفها الجميع.

وهل أكثر ديمقراطية من حاكم يلح عليه شعبه أن يبقى في الحكم وهو يرفض بشدة أن يخالف الدستور الذي يمنعه من تولي فترة تالية، كما يرفض تماما أي تعديل للدستور معتبرا - كما قال - أن دستور روسيا مقدس وأكبر من بوتين ومن أي شخص يأتي من بعده، وقد قالها بوتين في ألمانيا للجميع بأنه لن يترشح للرئاسة وأنه لن يجري تعديلا للدستور.

هذا في الوقت الذي يجمع أكثر من ثلثي الشعب الروسي على بقائه في الحكم، لدرجة أن الزعيم السوفييتي السابق جورباتشوف الذي كان ومازال في صفوف المعارضة السياسية اليمينية الإصلاحية قال في حديث للتليفزيون الروسي الشهر الماضي «يجب أن يبقى بوتين في الحكم لفترة رئاسة أخرى بأي شكل أو وسيلة حتى لو أجبر على ذلك، ولا يجوز له أن يرفض تولي المسؤولية في هذه الفترة بالتحديد من تاريخ روسيا».

ألمانيا وفرنسا ودعتا شرويدر وشيراك غير آسفتين، وبريطانيا تعد الأيام الباقية لبلير وتنتظر رحيله، والأميركيون يجمعون على أن عهد بوش هو أسوأ عهودهم، وروسيا تخشى لحظة رحيل بوتين عن السلطة وتطالب ببقائه، ورغم هذا يتهمونه بأنه ليس ديمقراطيا.

elmoghazy@hotmail.com