ليس صحيحاً أن السيد بول وولفويتز أجبر على الاستقالة (شبه مطرود) من رئاسة البنك الدولي لمجرد الانحراف في السلوك الأخلاقي. والأصح أن حادثة محاباته لصديقة له، من أصل عربي كما يقال، كانت مجرد قشة البعير كما يقال في المثل العربي، أو كانت كما يقول المثل الغربي هي الطرف الظاهر من جبل الجليد الغائص في أعماق المحيط.

والصحيح أيضا أن مشكلة الرجل طيلة السنتين اللتين أمضاهما في رئاسة المؤسسة المالية الدولية العتيدة، لم تكن مسألة سلوك أخلاقي فقط بقدر ما كانت مشكلة سلوك إداري وسياسي بالدرجة الأولى. ولذلك فقد عمدت الإدارة الأميركية الراهنة ـ كما قد نتصور ـ إلى عملية أقرب إلى ذر الرماد الأخلاقي أو السلوكي مستهدفة في ذلك ستر الأبعاد الجوهرية لذلك الخلاف أو التصدع الشديد الذي أصاب بنية رئاسة البنك الدولي.

وأدى إلى فصم العلاقات بين مجلس إدارته بأعضائه الأربعة والعشرين من ملاك موظفي البنك المنتمين إلى جنسيات شتى من جهة، ممثلة في وولفويتز نفسه، ومن حوله من جهة أخرى عصبة من كبار المسؤولين الذين أتى بهم إلى المؤسسة العتيدة من دوائر البنتاغون والبيت الأبيض وغيرهما.

وتكمن الأسباب الجوهرية للأزمة التي احتدمت مؤخراً في نوعية وأيديولوجية هذه العناصر التي جاءت في إعطاب رئيس البنك المذكور .. معظمها عناصر تنتمي إلى فصيل المحافظين الجدد الذي استولى ـ كما هو معروف ـ على مقاليد السياسة وصنع القرار في ظل إدارة الرئيس بوش الراهنة، وهي نفس العصبة من كبار المعاونين الذين شكلوا إدارة محدودة للغاية وصغيرة العدد أحدقت برئيس البنك ومارست أسلوبا يتسم بالفظاظة في التعامل مع سائر الموظفين ومعظمهم من كبار الخبراء في مجالات الاقتصاد المالية العامة والشؤون الدولية ..

من هنا تبلورت النظرة إلى هذه المجموعة التي تأكد انتماؤها إلى الحزب الجمهوري الحاكم على أنها تقحم آراءها ومنطلقاتها السياسية ـ والعقائدية ـ في تسيير أمور المؤسسة الدولية على نحو ما يشير الكاتب «إدوارد باوند» (مجلة يو اس نيوز، عدد 28/5). في الوقت نفسه يلمح هذا المحلل الأميركي إلى أن هذه المشاعر السلبية والاتجاهات الغاضبة لم تقتصر وحسب على هيئة الموظفين.

بل لعلها تعدت إلى الدول المؤثرة والفاعلة في عضوية البنك ومنها مثلاً بريطانيا ـ أقرب حلفاء أميركا التي استرعى الانظار موقف اللامبالاة المتعمد من جانبها حيث لم تخّف إلى نجدة وولفويتز في الأزمة المستحكمة لأنها ـ كما ألمح أيضا بعض مديري البنك ـ كانت رافضة لقرار اتخذه رئيسه باحتجاز قرض ساهمت فيه أميركا لصالح برنامج صحّي بالهند ويبلغ 800 مليون دولار.

ورغم أن رئيس البنك كان يدافع عن نفسه قائلاًإ أول من شجع وعزّز دائرة مكافحة الفساد في المؤسسة وقرر زيادة مخصصاتها وحجم موظفيها ـ إلا أن خصومه أو منتقديه ردّوا بأن هذا الحماس الشديد لملاحقة آفة الفساد في البنك الدولي دمّرته أولا آفة المحسوبية لصالح سيدة على علاقة برئيس البنك ..

فيما أدت هذه الحملة التي رفعت شعار مكافحة الفساد إلى إلحاق الأذى بسمعة البنك نفسه، إذ بدأت ميديا الإعلام تتناول هذه الحملة بإسهاب وتفاصيل وكأنها تشكك في التحليل الأخير في نزاهة ومصداقية الموظفين، فما بالك وقد رددت أروقة البنك الدولي مقولة إن السيدة التي أسندوا إليها دائرة المكافحة إياها، لم تنل هذه الوظيفة سوى لأنها عضو نافذ في الحزب الجمهوري.

من هنا يتوقع تحليل مجلة (يو اس نيوز) أن لا يقتصر الأمر على خروج وولفويتز بغير رجعة من باب البنك العالمي في 30 يونيو الحالي، بل يشير التحليل إلى أن الأمر جدير بأن يشهد أيضاً عددا من الرؤوس وقد أينعت وحان قطافها ومن ثم تدحرجت تحت مقصلة الفصل أو الاستبعاد، بصرف النظر عن فنون اللياقة البروتوكولية أو الشعارات الخطابية المنمّقة التي يمكن أن تصاحب دوران هذه المقصلة ومن ذلك مثلاً بيان المجاملة كما نسميه الصادر عن مجلس مديري البنك الدولي ليوجه الشكر إلى رئيسه السابق على جهوده طيلة العامين اللذين أمضاهما في موقعه، علماً بأن هذا البيان أو بالطبع التشكرات إياها، إنما جاءت.

كما يشير الصحافي بيتر جوردمان (الواشنطن بوست، 18/5) نتيجة مفاوضات مضنية وضغوطات داخل أروقة المؤسسة (وبالطبع من جانب الدوائر الرئاسية التي بذلت قصارى جهودها للإبقاء على رجلها الأثير في رئاسة البنك) ومن ثم أسفرت المفاوضات عن هذا البيان الذي انتزع فيه وولفويتز ومحاميه قدراً من التبرئة التي طالما كان يطلبها قبل الاستقالة.. وهذا برغم أن مجلس الإدارة حرص على الإشارة من جانبه أيضاً إلى وقوع عدد من الأخطاء التي ارتكبها عدد من الأفراد.. ولم يفته كذلك الإشارة إلى أن البنك بحاجة إلى تحسين اتباع إجراءاته في مجال السلوك الأخلاقي اللائق.... الخ.

ورغم أن مؤيدي رئيس البنك المستقيل، سواء في دوائر الحزب الجمهوري أو في الإدارة العليا في واشنطن حرصوا على الإشارة إلى جهود (صاحبهم) في مجال محاربة الفقر وخاصة في العالم الثالث .. إفريقيا بالذات، ورغم أن هذه الجهود لم تكن لتوضع في رأينا على أجندة البنك لولا أن سبقها الإعلان الدولي الشهير الذي التزمت به القمة العالمية المعقودة في سبتمبر 2000م بإشراف الأمم المتحدة .

وهو الإعلان الذي وضع وما زال يضع هدف القضاء على الفقر في العالم في صدارة أجندة الغايات الإنمائية للألفية - إلا أن سجل وولفويتز حتى في هذا المضمار ما لبث أن تعرض لانتقادات حادة، وخاصة بعد انكشاف الفضائح السلوكية الأخيرة مما جعل جهود البنك في مكافحة الفقر تواجه خطراً جسيما على نحو ما أشارت إليه مؤسسة أوكسفام الدولية مؤخراً (في تصريح لجريدة فاينانشيال تايمز البريطانية) فضلاً عن إصدار البرلمان الأوروبي قراره في آخر أبريل الماضي بضرورة استقالة الرجل «لإنقاذ سياسة مكافحة الفساد» من مأزق محدق بها.

وكأنما كان البرلمان الأوروبي يتحدث بلسان لفيف من كبار الخبراء في مجال مكافحة الفساد في الرسالة المفتوحة التي أعلنوها وسط ملابسات الأزمة معربين ـ بحق وموضوعية ـ عن قلقهم إزاء تآكل مصداقية البنك خاصة وأنه المؤسسة المكلفة بالتفاوض مع حكومات ومنظمات ودوائر مانحة ومنها ما هو مكلف بحكم التعريف بمهام مكافحة الفساد وإشاعة روح المحاسبة ومعايير المساءلة وإقرار أساليب الحوكمة بمعنى الحكم الصالح والرشيد إذا استخدمنا أحدث مصطلحات منظومة الأمم المتحدة.

في ضوء هذا كله حرصت الإدارة الأميركية على التباعد عن قضية رئيس البنك المستقيل بعد أن تحققت أنها قضية خاسرة. ولاسيما إن كانت التطورات تهدد أن يضيع على أميركا الإحالة إلى الأعراف غير المكتوبة ولكن المطبقة على مدى 60 عاما في تعيين واشنطن مسؤولا أميركيا لرئاسة البنك مقابل تسمية الاتحاد الأوروبي مسؤولا أوروبيا لرئاسة صندوق النقد الدولي.

من هنا كانت مبادرة بل مسارعة الرئيس بوش إلى ترشيح السيد روبرت زوليك الذي عمل سنوات طويلة في مجالات الدبلوماسية والمفاوضات التجارية الدولية. وفور ترشيحه سارع الرجل إلى توصيف مهمته الأولى بأنها تهدئة «الأمواج المضطرمة» في البنك بمعنى تهدئة ثائرة موظفي المؤسسة العالمية وبدء الملاحة.

ـ كما أضاف ـ في بحار المستقبل. ويبدو من حسن طالع الرجل أن جاء بعد مرحلة مرفوضة من رئاسة البنك سواء من جانب العاملين فيه أو من جانب وسائل الإعلام. ولذلك حرصت النيويورك تايمز (افتتاحية السبت 2/6) على ترحيب حذر بإمكانية توليه المنصب الرفيع باعتبار ذلك «بداية نظيفة» على حد وصفها وأرجعت السبب إلى أن «زوليك» شخصية فيها كل ما لم يكن في شخصية سلفه وولفويتز.

ثم أشارت ـ وهذا هو المهم ـ إلى أن الفساد ليس مجرد محاباة لصديقة أو محسوبية لصالح فئة، مؤكدة أن الفساد كان ولايزال مشكلة حقيقية ما برح يواجهها تاريخيا البنك الدولي : ما بين منح قروض سخية لمجرد إرضاء حكومات بعينها وما بين عدم التحقق حسب الأصول من سلامة ونزاهة استخدام أموال البنك، الذي يعمل حالياً على تقديم ما يصل إلى 23 مليار دولار سنوياً للبلدان الفقيرة ويخطط لزيادة هذه الحافظة إلى مبلغ 30 مليار دولار لصالح فقراء العالم، فما بالك وهؤلاء الفقراء يحتاجون مزيدا من الإمكانات في ظل العولمة التي لا يمكن أن تنجح لو تركناهم وقد تعثرت خطاهم على الطريق.

كاتب مصري