لم يضرب المناطق الساحلية الشرقية في الدولة إعصار جونو بل اجتاحها من مشرقها إلى مغربها إعصارا آخر ليس أقل ضراوة أو هولا، وهو الإعصار الإعلامي الذي تسببت فيه القنوات التلفزيونية بسبب حرصها الشديد على نقل كل شاردة وواردة على مدار الساعة، وظهرت كاميراتها ومحاوروها ومراسلوها كما لو كانوا في مهمة نقل اللحظات الحرجة من نهاية العالم.
المؤكد أن القنوات التلفزيونية أحسنت صنعاً بحرصها على نقل المشاهد إلى بؤرة الحدث، والمؤكد أنها تصرفت بناء على شعورها بالمسؤولية تجاه الناس المقيمين على أراضي الدولة، والمؤكد كذلك أنها برعت بشكل مدهش في استخدام تكنيكات الصورة لتحقيق أهداف رسالتها الإعلامية، خصوصاً وأن المنطقة غير معتادة على التعامل مع بعض الظواهر الطبيعية كالأعاصير وثورات البراكين والهزات الزلزالية، وبالتالي، خدمت التوعية إلى حد كبير في تطويق الخسائر البشرية والمادية.
وعلى الطرف المقابل من المؤكد أن القنوات التلفزيونية تناولت هذا الموضوع بشكل مفرط، وأفردت له مساحات زمنية مبالغاً فيها، وتسابقت فيما بينها في إفراد الكثير من البرامج والحوارات حول هذا الموضوع، وبدت كما لو كانت تجتهد بكل قوتها لشغل مثل هذه المساحات الزمنية العريضة، وكانت النتيجة أن من يضغط على زر التلفاز في أي وقت، تطل أمامه مشاهد تثير الخوف والذعر على مدار الوقت، وصار الكبار والصغار يترقبون موعد قدوم لحظات الإعصار المريرة، ويحدقون النظر فيما حولهم لتلقي نذر المحن التي ستلم بهم.
وبالتالي، حرفت التغطية التلفزيونية المكثفة الرسالة الإعلامية بعيدا عن هدفها الرئيسي المتمثل في توعية الجمهور بهذا الحدث حتى يأخذ حيطته وحذرة، من دون زيادة أو نقصان، أي من دون إعطائه حجما إعلاميا يفوق حجمه الطبيعي، ويتجاوز الأهداف المنطقية للرسالة الإعلامية والمتمثل في توعية المشاهدين.
ليس المطلوب أن تتعامل القنوات التلفزيونية مع حدث الإعصار من باب القول الدارج « كل شيء تمام »، لو فعلت ذلك، تكون كما لو كانت حررت شهادة وفاة مصداقيتها، حيث سيتحول المشاهدون إلى قنوات وفضائيات أخرى تروي ظمأهم لمعرفة ما يحدث على وجهة اليقين، خصوصا وأن المشاهد العربي لديه خبرة تاريخية عريضة مع النظم الإعلامية التي نجحت ببراعة فائقة في تحويل الأسود إلى أبيض والأبيض إلى أسود، وأظهرت قدرة فائقة في إعادة هندسة الواقع المؤلم والمرير ليبدو على هيئة لوحة فنية رائعة الجمال والروعة.
وبنفس القدر، ليس مطلوباً أن تحرك القنوات التليفزيونية مشاعر الخوف والجزع في نفوس الناس لدرجة تجعلهم يعدون على أصابعهم ما تبقى من عمرهم، وليس مطلوباً أن يتسرب اعتقاد خاطئ إلى المشاهدين خارج الدولة بأن أراضي الإمارات قد غاصت تحت جبال المياه التي دفعتها الإعصار، وليس مطلوبا كذلك أن تتآكل معنويات الأسواق تحت وطأة الخوف من ما تخبئه أقدار الطبيعة من مفاجآت تؤثر بالسلب على حركة الاقتصاد والمال.
ومن المعروف أن بعض الدول التي تتعرض لكوارث طبيعية تحرص على تكثيف التغطية الإعلامية لكي تطرق على الضمير العالمي حتى يهب لنجدتها ومساعدتها، ولكن التغطية التلفزيونية في الدولة أبعد ما تكون عن تبني مثل هذا الهدف، فهي دولة العطاء والكرم التي لا تنتظر يقظة الضمير العالمي للحصول على المساعدات.
بل يحفل سجلها بمبادرات ريادية في الإقدام على مد يد العون والمساعدة لدول كثيرة تعرضت لكوارث ومحن طبيعية، وبالتالي كان من الأجدى التعامل مع هذه الظاهرة الطبيعية من باب التوعية وليس من باب إطلاق إعصار الخوف والهلع ليضرب في نفوس الناس عامة.