بعد أن هدأ غبار الانتخابات الرئاسية الفرنسية يحق لنا أن نتساءل عن واقع القضايا العربية فى ظل رئاسة نيقولا ساركوزي لفرنسا خاصة وان فرنسا لعبت دورا مركزيا في رسم السياسة الأوروبية تجاه العرب في السنوات العشرين الماضية وبالتالي فهي يمكن أن تلعب نفس الدور بما ينعكس سلبا أو إيجابا على العرب وقضاياهم.

وقبل أن ندخل في هذه المساءلة لابد من الإشارة إلى أن تعيين برنار كوشنر المعروف عنه الاهتمام بالقضايا الإنسانية من خلال رئاسته لمنظمة «أطباء بلا حدود» فضلا عن استقلاليته يعد أمرا مطمئنا للعرب الذين خشوا من تحول ساركوزي عن السياسة التقليدية للديجوليين فيما يتعلق بالقضايا العربية، فكوشنر وان لم يكن ديجوليا فهو سيلتزم بالسياسة التي اتبعها الاشتراكيون خلال رئاسة الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران على اقل تقدير.

ولكن الذي يمكن أن يدحض هذه المقولة هو أن فرنسا تتبع النظام الرئاسي وبالتالي فان الذي يضع السياسة الخارجية ويخطط لها هو رئيس الجمهورية وما على رئيس الجمهورية سوى تنفيذ هذه السياسة. كذلك فان تعيينات الفترة الأولى من الرئاسة والتي تعقب الانتخابات لا يعني أنها دائمة بل يمكن أن تتغير وتتعدل وهذا ما حدث مع كل رئيس جمهورية فرنسي سابق.

فميتران الذي بدأ رئاسته بحكومة تضم وزراء من الشيوعيين واليساريين انتهى به الحال إلى أن كانت آخر حكوماته من الموالين له أولا وليس فقط أعضاء الحزب الاشتراكيين بل إن فرنسا نفسها على أعتاب انتخابات تشريعية قد تكون فرصة لان تجعل ساركوزي يعدل الحكومة بعدها ويأتي بأخرى تختلف سياستها عن سياسة الحكومة الحالية. وبالتالي فان هناك إمكانيات لان يعدل ساركوزي من سياسته العربية ويبتعد بفرنسا شيئا فشيئا عن سياستها التقليدية المعتدلة تجاه العرب وقضاياهم.

وفيما يتعلق بساركوزي فان المعروف عنه اقترابه بصورة أو بأخرى من أفكار المحافظين الجدد وهذا الأمر لابد وان ينعكس على سياسته العربية وهنا يجب أن نشير إلى أمرين الأول الزيارة التي قام بها إلى لندن قبيل الانتخابات الفرنسية والتي أرسل خلالها إشارات وتلميحات متعددة استخلص منها المراقبون انه يريد أن ينتهج سياسة تشبه السياسة البريطانية في عهد رئيس الوزراء توني بلير فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.

أما الأمر الثاني فهو التصريحات التي صدرت عن لقاء روجيه كيكرمان رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا (كريف) الذي أثنى على الدلائل التي تشير إلى اعتبار ساركوزي صديقا لإسرائيل، وقال «إن ساركوزي كان واضحا أثناء الحرب الأخيرة بين لبنان وإسرائيل حينما اعتبر أن «الدولة العبرية هي ضحية هجمات إرهابية».

ولم يخف ساركوزي أنه «صديق لإسرائيل»، بل إن الطبقة السياسية الفرنسية ما زالت تتذكر جيدا زيارته إلى إسرائيل، ولقاءه برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريل شارون. وفي أثناء هذه الزيارة صرح ساركوزي أنه في حال انتخابه للإليزيه (القصر الرئاسي الفرنسي) سنة 2007 فإنه لن يتبنى مصطلح «شارل ديجول»، القائد التاريخي الفرنسي، المعروف بـ «سياسة فرنسا العربية»، وهي السياسة التي صنفت فرنسا دوما على أنها أكثر تعاطفا مع القضايا العربية.

ولا يخفي ساركوزي تحمسه الشديد لمحاربة معاداة السامية بفرنسا، وإشرافه على كل الحوادث والقضايا التي وقعت في السنوات الأخيرة باعتباره وزيرا للداخلية، كما كان ساركوزي - بحسب صحيفة ليبراسيون الفرنسية - حاضرا في كل الاحتفالات الدينية التي تقيمها المنظمات اليهودية الفرنسية.

وانطلاقا من هذه المقدمة لابد وان يخشى العرب من السياسة المحتملة لفرنسا تجاه قضاياهم، خاصة إذا ما استمر الجمهوريون في حكم الولايات المتحدة ففي هذه الحالة سيكون هناك تناغم تام بين ساركوزي والفريق الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة حول القضايا العربية خاصة ما يتعلق منها بالصراع العربي الاسرائيلى.

والملف الأساسي الذي سيكون في مقدمة اهتمامات ساركوزي من بين الملفات العربية هو ملف لبنان ونعتقد أن نجاح ساركوزي كان المقدمة التي أدت إلى تشكيل المحكمة الجنائية بشأن اغتيال رفيق الحريري وقد انعكس موقف ساركوزي من لبنان في الزيارة التي قام بها العماد ميشيل عون لفرنسا الأسبوع الماضي فعلى الرغم من تمتع الأخير بعلاقات جيدة مع أطراف فرنسية عديدة إلا أن معظم المراقبين رأوا أن زيارته لفرنسا لم تحقق النجاحات المنتظرة منها.

وهذا الأمر يفسره علاقة عون مع حزب الله وأطراف لبنانية لا ترضى عنها فرنسا. وفى هذا المقام لابد وان نشير إلى نقطة غاية في الأهمية وهى أن ساركوزي لن يكون مطلق اليد فى تبني سياسات منفردة تجاه القضايا العربية وإنما سيكون عليه الالتزام بالموقف الاوروبي الموحد من هذه القضايا ومن هنا فان ما يخشى منه العرب القلقون من رئاسة ساركوزي لفرنسا هو أن يسعى إلى تعميم سياسته على الاتحاد الاوروبي وبالتالي تصبح المواقف الجديدة المتوقع منه تبنيها هي السياسية الأوروبية الموحدة وفى هذه الحالة سوف تتناغم السياسة الأوروبية مع السياسة الأميركية بما يؤثر سلبا على الدول العربية وقضاياها.

ونستطيع القول إن النقلة النوعية في سياسة ساركوزي تجاه القضايا العربية سوف تكون في أعقاب الانتخابات الأميركية المقبلة وبالتالي فان الفائز في هذه الانتخابات سوف يؤثر على سياسة ساركوزي، ومن هنا ليس علينا أن نتوقع أن تحدث تغييرات دراماتيكية في سياسة ساركوزي حتى ذلك الحين.

وإذا افترضنا انه سيحدث تقسيم للعمل بين ساركوزي ووزير الخارجية برنار كوشنر لن يتدخل ساركوزي بموجبها في رسم السياسة الخارجية، ففي هذه الحالة على العرب أن يخشوا من ملف آخر له علاقة بالقضايا العربية وهو المتعلق بالهجرة غير الشرعية لفرنسا.

فالمعروف أن عددا كبيرا من المهاجرين غير الشرعيين هم من الدول العربية وهؤلاء من المقرر أن يرحلهم ساركوزي إلى بلادهم وهؤلاء إن عادوا سوف يسببون العديد من المشاكل في الدول التي هاجروا منها وهذه الأزمات تنقسم إلى قسمين الأول ما هو متعلق بالضغط الذي سوف يحدثونه على البنية الأساسية في الدول العربية وهو ما يزيد من الأزمات الاجتماعية التي تعاني منها الدول التي جاءوا منها.

أما القسم الثاني فهو المتعلق بأن قطاعا كبيرا من المهاجرين غير الشرعيين العرب في فرنسا هم من المنتمين إلى التيار الاسلامى الاصولى المعارض للحكومات العربية وعودة هؤلاء إلى دولهم في ظل التضييق الذي سيلاحقهم في كافة الدول الأوروبية سيعني المزيد من الضغط على الحكومات العربية فى ملف علاقاتهم بالجماعات الأصولية. وكل ذلك يعني أن تداعيات رئاسة ساركوزي السلبية على العرب يمكن أن تكون عاجلة بغض النظر عن علاقاتها بالملفات الخارجية الفرنسية

كاتب مصري