قبل أيام قليلة مرت الذكرى الأربعين للحرب العربية الإسرائيلية الثالثة بعد حرب عام 1948 التي أدت إلى النكبة ونشوء ما يعرف بالقضية الفلسطينية وقيام دولة إسرائيل، والعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر عبد الناصر عام 1956.

البعض لا يزال يسمي ما حدث في الخامس من يونيو 1967، على أنه نكسة محاولاً التقليل من نتائج تلك الحرب، ومراعاة للأنظمة العربية التي خاضتها وخسرتها، والبعض الآخر يعتبرها هزيمة انطلاقاً من أن إسرائيل حققت على أثرها نتائج مهمة حيث احتلت بقية أرض فلسطين التاريخية، وسيناء وأجزاء كبيرة من هضبة الجولان السورية ومن نظر إلى الأبعاد الإستراتيجية لتلك الحرب.

والتي انعكست جذرياً على مواقف الأطراف العربية بما في ذلك الفلسطينيين إزاء إسرائيل، وما فرضته من حيازات، فإن تلك الحرب تنطوي على كل أبعاد النكبة الثانية بعد الأولى. النكبة الأولى عام 1948، وقعت في ضوء نجاح العصابات والميليشيات الصهيونية السوداء وبالتعاون والتنسيق مع الانتداب البريطاني، بالإعلان عن قيام دولة إسرائيل على 78% من أرض فلسطين.

ولكن وبالرغم من نجاح الحركة الصهيونية في إعلان وقيام دولة إسرائيل ودخولها الأمم المتحدة بعد اعتراف معظم دول العالم بها، إلا أن تلك الدولة ظلت فاقدة الشرعية طالما لم يعترف بها أهل فلسطين، وطالما لم تعترف بها الشعوب والحكومة العربية وطالما ظل هدف إزالة إسرائيل وتحرير الأراضي التي احتلت عام 1948، الهدف الأساسي الذي قامت عليه مشاريع التحرير الوطني الفلسطينية والعربية حتى عام 1967.

لقد أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وانطلقت حركة فتح عام 1965، فضلاً عن العديد من الأحزاب والحركات الفلسطينية تحت شعار تحرير ما احتلته العصابات الصهيونية عام 48 وربما لذلك من بين أسباب أخرى لم يكن وارداً إقامة دولة أو كيان فلسطيني على أراضي الضفة الغربية وغزة قبل احتلالهما.

كما قام المشروع التحرري للرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبرنامجه على أساس خوض الحرب لتحرير تلك الأرض والتخلص من إسرائيل والأمر ذاته بالنسبة لمعظم الحركات والأحزاب العربية بمختلف انتماءاتها واتجاهاتها غير أن كل ذلك أصبح في علم الغيب ومجرد هدف رومانسي بالنسبة للحالة العربية والفلسطينية بشكل عام رغم وجود بعض الاستثناءات القليلة ممن لا يزالون يقيمون برامجهم على أساس إزالة إسرائيل واستعادة كل الأراضي العربية.

فلقد أدى احتلال إسرائيل لقطاع غزة والضفة والقدس والجولان وسيناء، إلى تحول كبير وجذري في الفكر السياسي الذي يقود عملية الصراع العربي ـ الإسرائيلي حيث نجحت إسرائيل في انتزاع اعتراف عربي وفلسطيني بحقها في الوجود على الأرض التي احتلتها عام 1948 وانحصرت البرامج التحريرية في حدود ما احتلته إسرائيل عام 1967.

وباستثناء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 48 الذي ينص على حق الفلسطينيين في العودة وتعويضهم فإن السياسة الفلسطينية والعربية انبنت بعد حرب عام 1967، على أساس المطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تعطي العرب والفلسطينيين الحق في استرجاع الضفة والقطاع والقدس، فيما جرى القفز على قرارات الأمم المتحدة التي صدرت في أزمات سابقة ومنها قرار التقسيم 181، الذي يشكل المرجع القانوني الدولي الوحيد لقيام دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل.

وحتى يتم تعميق ذلك المكسب التاريخي لإسرائيل، فإنه لم يكن ممكناً فرض الاستسلام على العرب الذين أكدوا في قمة الخرطوم بعد هزيمة يونيو أن لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف، كما لم يكن ممكناً في ظل أجواء الهزيمة والتحضير لحرب أخرى أن تنشط الوساطات الدولية في ظل وجود معسكرين رأسمالي واشتراكي إلى حد جمع الطرفين العربي والإسرائيلي إلى مائدة المساومة والتسوية.

كانت حرب أكتوبر عام 1973، هي الحل فلقد تم رسم أهدافها بدقة وبحيث تؤدي إلى تحريك المفاوضات وخلق آليات لتحقيق المساومة خصوصاً بعد أن حققت الجيوش العربية انتصاراً على الأرض، وكان بإمكانها أن تتقدم أكثر لولا ضوابط القرار السياسي.

القيادة الفلسطينية التي أدركت أبعاد وأهداف الحرب التشريفية بادرت في عام 1974، إلى تغيير برنامجها وأهدافها وبدلاً من أن يستهدف نضال الشعب الفلسطيني تحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر وإقامة دولة ديمقراطية عليها، أصبح الهدف حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

وفي وقت لاحق وبعد الغزو الإسرائيلي للبنان وخروج قوات منظمة التحرير منها عام 1987، وما تلاه من أزمات عانت منها المنظمة ومحاولات عربية للتخلص منها، وإنقاذها من قبل جماهير فلسطين المحتلة، من خلال الانتفاضة الشعبية الكبرى في ديسمبر عام 1987، بالاستجابة للشروط الأميركية الثلاثة في حينه والتي أعلنها الرئيس الراحل ياسر عرفات في مؤتمر صحافي بجنيف عام 1988، وهي حق إسرائيل في الوجود، ونبذ ما يسمى بالإرهاب، واعتبار الميثاق الوطني الفلسطيني منتهياً بالتقادم.

وإثر حرب أكتوبر 1973، والتحول السياسي في برنامج المنظمة انطلق الرئيس المصري الراحل أنور السادات في مفاوضات أدت إلى توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وإخراج مصر من معادلة الصراع.

هذا السياق لتطور الأحداث والذي استقر بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، على تحول آخر حيث ترفض إسرائيل التسليم بتسوية تتخلى بموجبها عن الأراضي التي احتلتها عام 1967، وتحاول إخضاعها للمساومة بعد أن صادرت الكثير من الأراضي في الضفة والقدس، هذا السياق ينقل عملياً الصراع إلى إمكانية الإطاحة بالمشروع الوطني الفلسطيني وبقرارات الأمم المتحدة حتى الجديدة منها، وتنذر بصراع مفتوح.

على أنه إذا كان من الصعب مراجعة كل التجربة واستخلاص كل أو أهم دروسها، فإننا نكتفي بالإشارة إلى أن أبرز هذه الدروس يكمن في أحادية الاستراتيجيات والوسائل. فلقد اعتمدت السلطة الفلسطينية السلام كخيار استراتيجي وكذلك فعلت قمة الرياض العربية الأخيرة وما سبقها، فيما بقيت الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية مفتوحة على الحرب وفرض السلام بما يخدم المخططات التوسعية للحركة الصهيونية.

وربما كان الاهتمام اللافت لوسائل الإعلام بهذه المناسبة أكثر مما حظيت به الذكرى التاسعة والخمسين لنكبة 1948 التي مرت في الخامس عشر من مايو، ما يؤكد التعامل الواقعي مع التحولات الإستراتيجية التي أحدثتها حرب يونيو عام 1967.

كاتب فلسطيني