منذ عدة أيام أكد رونالد ناش رئيس دائرة التحاليل في المجموعة الاستثمارية «رينيسانس كابيتال» في مؤتمر مجلة «المصرفي» البريطانية أن روسيا تتوفر لديها القدرة على أن تصبح إحدى الأسواق المالية الأساسية في العالم.
وأشار الخبير إلى أنه نظرا لأبعاد الاقتصاد الروسي وحجم سوق رأس المال المساهم، إضافة للموقع الجغرافي لن يكون مبالغة القول بان موسكو قد تصبح خلال 4 ـ 5 سنوات ثاني عاصمة مالية في أوروبا وإحدى الأسواق المالية الرئيسية في العالم.
ولم ينس الخبير الأوروبي أن يضيف إلى ما ذكره أن (الشيء الوحيد الذي تحتاج روسيا إليه بشكل ملح للحفاظ على النمو الاقتصادي لديها هو إنشاء بنى تحتية وتجديد الطاقات الإنتاجية). ويرى أنه يتعين البدء بحذر بصرف الأموال المتراكمة في صندوق الاستقرار لتحقيق هذا الهدف بالذات، ومن الممكن أن تكون شراكة القطاعين الخاص والعام أفضل صيغة تعاون في ذلك.
ومما لا شك فيه أن وجهة نظر رونالد ناش تعكس واقعا مثيرا للارتياح ، وتستند إلى عوامل متوفرة في توجهات الاقتصاد الروسي، إلا ان استدراك الخبير الأوروبي وإشارته إلى إنشاء البنية التحتية وتجديد الطاقة الإنتاجية، ونضيف لهما صياغة القاعدة القانونية، كل هذا يكشف عن أن الوضع ليس مثاليا، ومازال يتعثر، بل ويحتاج لمزيد من الجهود والإصلاحات.
ويمكن القول بأن مجمل النشاط الاقتصادي في الأسواق الروسية بدا يتأثر سلبا بسبب العديد من الإجراءات التي تحد من نمو الأعمال المتوسطة والصغيرة لحساب الشركات العملاقة، إضافة لتضخم الإنفاق الحكومي، بل إن النشاط الاقتصادي بدأ يخرج من سيطرة الحكومة في بعض المجالات منها قطاع البنوك والمؤسسات المالية.
وقد تسببت قروض الشركات الحكومية في إضعاف أنظمة العمل البنكي الروسي خلال الشهور الأخيرة، بل وأدت إلى الحد من قدرات البنك المركزي، حيث تقدر قروض الشركات الحكومية للبنوك الروسية بحوالي 300 مليار دولار، وتضم قائمة الشركات المقترضة شركة (شبكات الكهرباء الروسية) و(غاز بروم)، وتبلغ قروض شركة (روس نفط) وهى من كبريات شركات النفط الروسية أكثر من 35 مليار دولار.
وتعتبر وزارة المالية هذه القروض قد بلغت مرحلة حرجة بالنسبة للشركات الحكومية التي تتحكم في كافة قطاعات وأنشطة الاقتصاد الروسي، وان اى انخفاض في أسعار الروبل، لابد ان يؤدى لفشلها في سداد مديونياتها، وانهيار أسهمها في الأسواق المالية.
مما لاشك فيه أن تعزز مواقع الروبل اليوم في سلة العملات الأجنبية ضمن الأسواق الروسية يحقق إفادة مباشرة للسكان الذين يحصلون على رواتبهم بالروبل، وللحاصلين على قروض بالعملات الأجنبية، إلا انه يسبب أزمات حقيقية في قطاع الاستيراد وعدد من القطاعات الصناعية، ويضعف من القدرات التنافسية.
ويسبب ارتفاع أسعار الروبل الناجم عن تدفق عائدات النفط - في ظل فساد بعض العاملين في إدارات مؤسسات إنتاج الطاقة- قبول هذه المؤسسات بعقود شراء مستلزمات الإنتاج وتوريد الطاقة بأسعار عالية مقابل رشاوى، ما يؤدى بالضرورة إلى رفض الأسواق العالمية للمنتجات الروسية بسبب ارتفاع أسعارها بصرف النظر عن جودتها.
ولا يستبعد خبراء وزارة المالية الروسية ان يصل ارتفاع معدلات التضخم في البلاد إلى 13% في أواخر العام الحالي، بسبب زيادة النفقات الحكومية وتعزيز الروبل بشكل زائد أمام العملات الأجنبية، إضافة إلى تدفق رؤوس الأموال المضاربة.ويعتبرون أن الخلل يعود لسياسات إدارة البنك المركزي الخاطئة، والتي تخوض صراعا ضد التضخم، أدى إلى تقوية الروبل المبالغ فيها، والتي تسببت في ارتفاع الأسعار بسبب تدفق السيولة النقدية.
وقد تبدو نصائح رونالد ناش بسيطة واعتراضية، ولكن الوضع بالفعل يحتاج لنهوض جذري، حيث تفيد البيانات الرسمية ان روسيا تحتل المرتبة الأخيرة بين بلدان العالم في مجال تكرير النفط وتصل نسبة الشوائب في البنزين ووقود الديزل إلى 5,3، ما يقارب ضعف النسبة المسموح بها في أوروبا. وتجدر الإشارة إلى ان 6 من مصانع تكرير النفط الروسية البالغ إجمالي عددها 25مصنعا (مقابل 133 مصنعا في الولايات المتحدة الأميركية) قد بدأت عملها قبل ما يزيد عن 60 عاما.
وتسيطر9 شركات فقط على أكثر من 90% من إنتاج النفط الروسي وتصديره، وقد بلغ انتاج النفط خلال العام الماضي 480 مليون طن من النفط الخام تم تصدير 248 مليون طن منها إلى الخارج (اقل من عام 2005 بنسبة 2%) بينما كان يبلغ إنتاج الاتحاد السوفييتي من النفط سنويا حوالي 600 مليون طن، ويتم تصدير النفط للأسواق الخارجية عبر مؤسسة واحدة فقط.
إن الوضع الراهن في روسيا، والذي يعتمد على منتجات الطاقة بشكل كبير يعاني من مشاكل متعددة:
1-إن آليات التنقيب والاستخراج المستخدمة في حقول الطاقة تحتاج إلى تجديد وتطوير، باعتبار أن جزءا كبيرا من آليات شركات النفط لم يتم تحديثه منذ أكثر من 40 عاما.
2- غياب الدراسات الجيولوجية للبحث عن منابع جديدة للطاقة، ما يهدد بتناقص إنتاج روسيا من النفط والغاز خلال عامي 2008-2009 بمعدل يزيد عن 10%.
3- إصلاح واستقرار أنظمة العمل البنكي التي تهدد الاقتصاد الروسي بأزمة خانقة في عام 2009 بسبب ديون الشركات.
وبالرغم من مساعي ومقترحات الاقتصاديين الروس، إلا أن توقعاتهم بانخفاض أسعار الطاقة، تقودهم لتوقع أزمة ستواجه الاقتصاد الروسي خلال عام 2009، بسبب تناقص معدلات التصدير مقارنة بمعدلات الاستيراد.
ولاشك أن انخفاض معدلات النمو الصناعي التي تزيد عن 5%، تعكس حالة من الركود تواجه الصناعات التحويلية، بينما تحقق الصناعات الاستخراجية أرباحا فاحشة.ان تدفق عائدات الصادرات النفطية يتسبب في انخفاض قيمة العملات الأجنبية في السوق المحلية وارتفاع قيمة العملة المحلية.
مما يؤدى لانخفاض أسعار السلع المستوردة، وارتفاع أسعار المنتجات المحلية.هذا الوضع يحتاج إلى النهوض بمختلف القطاعات الإنتاجية الروسية، وما يعنيه ذلك من استثمار رؤوس أموال فيها، وهو لن يحقق نهضة للاقتصاد الروسي فحسب، وانما سيعود على الاستثمارات في هذه القطاعات بأرباح كبيرة بسبب التدفق المالي الحاصل في الأسواق الروسية
مركز دراسات الطاقة
روسيا