رغم كل ما تواجهه روسيا من مشاكل متعددة داخليا وخارجيا، ورغم الصراعات الدائرة بينها وبين واشنطن والأوروبيين بسبب الدرع الصاروخي الأميركي وبسبب مشكل تسويق الطاقة من غاز ونفط، وبرغم مشاكلها مع جيرانها في بلدان بحر البلطيق وفي جورجيا وأوكرانيا، وإن كانت كل هذه الأمور ممكن اعتبارها مشاغل أكثر منها مشاكل، إلا أن السؤال الهام والدائر بشكل يومي على الساحة الداخلية في روسيا هو«هل سيبقى بوتين في الحكم بعد عام 2008 أم يترك الرئاسة؟

وإذا تركها..من سيخلفه فيها» هذا السؤال لا يشغل فقط الشعب الروسي بل يشغل بدرجة كبيرة أيضا الغرب وواشنطن اللذين لم ينفكا يعبرا عن أرائهما وأمنياتهما بأن يرحل بوتين من الحكم لأنه يعوق الكثير من طموحاتهما وأطماعهما تجاه روسيا وتجاه المنطقة المحيطة بها، وليس أدل على ذلك من إعلان الإدارة الأميركية علنا أنها ستتدخل في انتخابات الرئاسة القادمة في روسيا وستدعم قوى معينة لم تحددها بعد بهدف تحقيق الديمقراطية في روسيا كما يدعون.

أما على الساحة الداخلية في روسيا فهناك اتجاهان، أحدهما أكثر انتشارا يأمل في بقاء بوتين في الحكم، والآخر يأمل أو يحلم برحيله، ولكل منهما وجهات نظره الجديرة بالبحث والاهتمام. حيث يرى أنصار الفريق الأول أن النظام السياسي في روسيا كان وما زال حتى اليوم يعتمد على الشخص الواحد، فإذا كان هذا الشخص حسنا ويعمل لصالح الوطن فإن من الضروري بقاءه بأي طريقة أو وسيلة، حتى لو كان الدستور لا يسمح ببقائه.

فالدستور يتغير ولكن تبقى مصلحة الوطن، والشخص الحالي هو بوتين الذي هو صانع كل القرارات كونه رئيسا للدولة. ولو كان هناك أسلوب آخر لإدارة شؤون البلاد تعتمده الطبقة السياسية الروسية كلها أو أيديولوجيا أو غاية وطنية تتمسك بها الطبقة السياسية بكاملها لأمكننا أن نقول: دعنا نختار شخصا آخر ليتولى أمور السلطة في بلادنا. ولكن لا يوجد في روسيا اليوم شيء من هذا القبيل يحظى بالقدر الواسع من الإجماع الوطني.

والشيء الوحيد الذي يمكن أن يجتمع الجميع أو الغالبية حوله هو أن بوتين يبقى ليحكمنا حتى تبقى الأوضاع كما هي وتسير في الاتجاه الذي تسير فيه، و ذلك لأن الكثيرين يتخيلون حدوث شيء رهيب عندما يترك بوتين منصبه كرئيس لهذه الدولة ويغادر مؤسسة الحكم.

والأمر الغريب أن لا أحد يعرف مَن سيخلف بوتين. صحيح أنه يمكن لبوتين أن يختار من سيخلفه من أعضاء ما اصطلح على تسميته «فريق بوتين»، ولكن يفترض في الفريق (أي فريق) أن يلتف كل أفراده حول مشروع سياسي محدد أو أيديولوجيا محددة في حين يقال لنا بين الفينة والأخرى إنه لا توجد أي أيديولوجيا.

وما دام الأمر كهذا فإن أنصار هذا الفريق يرون ضرورة أن يبقى بوتين في الحكم ليس لأنه رجل طيب بل لأن له مشروعيته التي يستمدها من إنجازاته ونجاحاته التي حققها على مدى أعوام حكمه الماضية. ويخشى أنصار هذا الرأي أنه إذا سار بوتين في ركاب الشرعية التي لا تجيز له ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثالثة في عام 2008 .

فإن هذا سيقيم وضعا يفتقر إلى المشروعية لأن بوتين لا يستطيع تسليم مشروعيته إلى أي شخص تسوقه المصادفة لكي يجلس على كرسي رئيس الدولة، ومن هنا نلاحظ أن أنصار التمسك ببقاء بوتين يحملونه هو شخصيا مسؤولية تركه للحكم، وكأنه سيترك الوطن أثناء المعركة، وربما يكون هذا عيبا كبيرا في نظام المؤسسة السياسية الحاكمة في روسيا لكنه للأسف واقع لا يمكن إهماله أو التغاضي عنه.

حجة رئيسية يسوقها دعاة بقاء بوتين في الحكم تتمحور حول وجوب المحافظة على استقرار البلاد إلا أن الاستقرار معناه استقرار الدستور الذي يجب أن يظل كما هو من دون تعديل، والتمسك بشخص بعينه أيا كانت مميزاته وحسناته وإنجازاته من أجل ضمان الاستقرار هو في حد ذاته تهديد للاستقرار، لأنه لا يجوز لدولة كبيرة مثل روسيا أن يرتهن استقرارها بشخص، إن بيت القصيد هو الاستمرار في الخط السياسي الذي يتبعه الرئيس بوتين وليس التركيز على إيجاد من سيخلفه.

وهذا ما قاله بوتين نفسه عندما أعلن رفضه للبقاء في الحكم لفترة ثالثة لأنه لا يريد أن يشوه إنجازاته ومسيرته الناجحة بهذا الخطأ الكبير المتمثل في مخالفة الدستور، وإن كان هذا لا يمنع أن بوتين يحتفظ بحقه في الإدلاء برأيه حول المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة.

وبالمناسبة فإنه ليس كل المعارضة السياسية في البرلمان أو في الشارع السياسي في روسيا ترفض بوتين بل قلة منها، حيث إن الكثيرين من المعارضة يؤيدون بقاء بوتين في الحكم، بل إن بعضهم يرى أن بقاءه أمر حتمي من أجل مصلحة روسيا، وإذا اعتبرنا الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف من المعارضة باعتباره ينتمي للتيار الديمقراطي الإصلاحي .

ويعتبر نفسه منذ سنوات ضمن المعارضة إلا أن جورباتشوف نفسه صرح مؤخرا بعبارة أغضبت رفاقه في التيار الديمقراطي الإصلاحي، وذلك حين قال «يجب الإبقاء على بوتين في الحكم لفترة ثالثة حتى لو كان هو لا يريد، لأن هذا من مصلحة روسيا، وابتعاده عن الحكم في هذه الفترة بالتحديد يشكل خطورة على أمن واستقرار الوطن».

المعارضون لبقاء بوتين في الغالب هم من أصحاب المصالح الكبيرة التي تشكلت خلال سنوات التسعينات، ولا نريد أن نقول إن منهم عملاء للغرب ولمصالح الغرب، ولكن نقول إن مصالحهم الخاصة تتعارض مع بقاء بوتين في الحكم، كما أنها تتعارض في نفس الوقت مع مصالح الوطن، باعتبار أن بوتين ليس له مصالح خاصة وأنه يعمل من أجل الوطن.

وهؤلاء يعرفهم الشعب الروسي، ولم يكونوا ليجرؤوا على الظهور على الساحة مؤخرا إلا بعد أن بعث فيهم بوتين نفسه الأمل بقراره بعدم البقاء في الحكم، الأمر الذي أعطاهم الأمل في إمكانية العودة لمراكز صنع القرار في روسيا، وبالطبع لديهم أمل كبير في الدعم الغربي لهم في الانتخابات، وربما لديهم أمل في وقوع ثورة ملونة في روسيا تأتي بهم بالقوة مثلما حدث في بعض الجمهوريات المجاورة.

أيا كان الأمر فإنه من الصعب حسم الأمور من الآن، ويجب الانتظار حتى اقتراب موعد نهاية ولاية بوتين، خلال هذه الفترة سيبقى سؤال «بوتين» هو الشغل الشاغل للشعب الروسي، وأيضا لأصحاب المصالح في روسيا وللغرب الذي من المتوقع أن يكون له دور كبير في الانتخابات الرئاسية القادمة.

جامعة سيبيريا