بعد سنة ونيف من الآن سوف تنتهي الفترة الرئاسية الثانية للرئيسين الروسي والأميركي اللذين شهدت سنوات رئاستهما لبلديهما نمواً وازدهاراً ثم انحداراً وتدهوراً في العلاقات الروسية - الأميركية. ففي منتصف عام 2002 عقب لقائهما في موسكو كان بقدرة أي منهما الادعاء بأنهما قد بنيا علاقات ثنائية متينة تستند إلى ثقة متبادلة وأهداف وتوقعات مشتركة وتعاون عملي لم تصل إليه الدولتان في أي وقت من الأوقات، اعتبرها بعض الخبراء في السياسة الدولية بأنها علاقات ترقى إلى مستوى التحالف.
إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد مرور خمس سنوات على ذلك العرس، نشهد اليوم تردياً كبيراً في هذه العلاقات، فلم تعد الأهداف والتوقعات متشابهة، وأصبح الشك وعدم الثقة يطغى على أجوائها، بل إن ما هو أكثر أهمية من ذلك هو أنهما لا يسعيان لرأب الصدع الكبير في علاقاتهما، وها نحن نشهد تصعيداً من الطرفين عشية انعقاد قمة الثماني الكبار في ألمانيا.
لا مجال لسرد الخلافات بين الدول الغربية، الولايات المتحدة بشكل خاص، وروسيا فهي كثيرة ومتنوعة، تتضمن قضايا سياسية واقتصادية وأمنية ولا تقتصر عليها، وقد شهدت الفترة السابقة تراشقاً بالتهم على مختلف المستويات حول الكثير منها، إلا أن من الممكن تلخيص أسباب التداعي في العلاقات الأميركية - الروسية الذي نشهده الآن بالقول ان روسيا قد قررت التوقف عن دفع ثمن هزيمة الاتحاد السوفييتي، فذلك قد أوصلها إلى وضع غير آمن، في حين ترى الولايات المتحدة ان عليها الاستمرار في جني الأرباح التي ترتبت على انتهاء مرحلة الحرب الباردة.
القشة التي قصمت ظهر البعير هي الدرع المضادة للصواريخ التي تزمع الولايات المتحدة إنشاءها في بولندا وتشيكيا بحجة التصدي للصواريخ التي يمكن أن تطلق من إيران، هذه الدرع التي ترى فيها موسكو مصدر خطر كبير على أمنها إذ أن تأثيرها يمتد حتى جبال الأورال ليغطي كل الأراضي الروسية في أوروبا، فهي ترى بأنها المستهدفة بهذه الدرع، خاصة أن الصواريخ التي تمتلكها إيران ليس لها القدرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية.
كان رد الفعل الروسي على هذا البرنامج، وعلى لسان الرئيس بوتين نفسه، هو الرفض القاطع لتقبل وجود هذه الدرع على حدودها، والتهديد بتوجيه الصواريخ الروسية نحو أهداف في أوروبا الغربية كما كان الحال إبان فترة الحرب الباردة إذا بدأت الولايات المتحدة في تنفيذ هذا المشروع.
لقد صاحب انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن المنصرم تراجعات مستمرة لروسيا على جميع الجبهات، إلا أنها احتفظت بقدراتها النووية والصاروخية القادرة على تدمير الولايات المتحدة في حالة نشوب حرب بينهما، وهذا بالضبط ما تسعى للحفاظ عليه بموقفها الرافض لوجود الدرع الأميركية المضادة للصواريخ، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تعطيل هذه القدرة.
ليس من السهل تفهم العلاقات بين قوتين عسكريتين كبيرتين، مثل الولايات المتحدة وروسيا، بمعزل عن تصور استحقاقات الماضي واستحقاقات المرحلة الانتقالية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وانتهاء مرحلة من العلاقات الدولية دامت أكثر من سبعين سنة. فطيلة تلك الفترة رسمت العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والاتحاد السوفييتي وحلفائه من الجهة الأخرى فواصل كبيرة وعميقة بين الشرق والغرب، في الرؤى والطموح والثقافة وطرائق التفكير والتركيب النفسي، ليس من السهل تجاوزها، فقد كان الشرق شرقا وكان الغرب غربا.
وصف الرئيس بوتين الولايات المتحدة بأنها «الرفيق الذئب» في الصيف الماضي في إشارة إلى رفقة لا تؤتمن بصحبتها، وأبدى بحقها ملاحظات قاسية في لقاء ميونيخ في فبراير المنصرم، تعقيباً على ما أدلى به نائب الرئيس الأميركي تشيني من اتهامات لإدارته بممارسة القمع في الداخل واتهامها باستخدام الطاقة كأداة في سياسات قسرية تُفرض على الدول المستفيدة من أنبوب الغاز الروسي، وفي الأسبوع الماضي لم يتردد بوتين بإجراء مقارنة بينها وبين الرايخ الثالث في تصعيد مقصود قد يعقبه اتخاذ قرارات استراتيجية تخص الأمن الروسي.
فما الذي سيحدث في أجواء العلاقات بين هذين البلدين في السنوات القادمة؟
- ماذا يحدث لو أن روسيا المحبطة من انفتاحها على الغرب، قامت بصياغة سياسات جديدة؟.
- ماذا لو تعزز في روسيا النهج الذي يدعو إلى عودة سيطرة الدولة على الاقتصاد وإبعاد الشركات الغربية عن الاقتصاد الروسي؟.
- ماذا يحدث لو انتهجت موسكو سياسة الاحتواء السياسي كبديل للتعاون الاقتصادي في علاقاتها مع الدول الأوروبية؟.
- ماذا يحدث لو تعاظم دور الناخب الروسي في دعم السياسيين الروس الذي يحملون أجندة تدعو إلى اتخاذ مواقف متشددة مع دول الجوار الروسي التي انتمت إلى حلف الأطلسي؟.
- ماذا يحدث لو تعاظمت المعارضة في روسيا لدخول منظمة التجارة العالمية (روسيا عضو مراقب في هذه المنظمة في الوقت الحاضر)؟.
- ماذا يحدث لو أوقفت روسيا سعيها للانخراط في المسار السياسي العالمي؟.
- ماذا يحدث إذا أقدمت روسيا على تعليق عضويتها في اتفاقية الأسلحة التقليدية في أوروبا التي أبرمت عام 1990 وأعيد النظر فيها عام 1999، فقد أعلن الرئيس بوتين في أبريل المنصرم، عن رغبة بلاده في ذلك؟.
- ماذا يحدث لو انسحبت روسيا من اتفاقية الصواريخ النووية المتوسطة المدى التي أبرمت عام 1987 بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان والرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف، كما لا يخفي بعض المسؤولين الروس رغبتهم في ذلك؟.
- ماذا يحدث لو تحول الموقف الروسي في مجلس الأمن من الامتناع عن التصويت إلى استخدام الفيتو وتعطيل الرغبات الغربية، الأميركية خاصة، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وقضية كوسوفو وغيرها من القضايا؟.
- ماذا يحدث لو أن روسيا والولايات المتحدة فشلتا في الحفاظ على ما توصلتا إليه من اتفاقات حول الأجندة النووية؟
ماذا لو أن بعض هذه الأجندة قد تحول إلى واقع؟ وهو ما سوف يحدث من غير شك، فهل ستشهد العلاقات الروسية - الأميركية عصراً جديداً يمكن، بشكل ما، تسميته بعصر جديد في سباق التسلح، وهل سيكون ذلك في صالح الشعوب التي عانت الأمرين منذ انفردت الولايات المتحدة في تقرير مصير العالم؟
أسئلة هامة كثيرة تطرح نفسها في هذا السياق، من الصعب جداً الإجابة عنها في الوقت الحاضر، إلا أنها ستكون مادة غزيرة ومثيرة أمام الباحثين في العلوم السياسية للدراسة والتحليل والتنبؤ.
ليس مما لم يكن في حسبان الراصد للعلاقات الأميركية - الروسية أن يرى ما آلت إليه هذه العلاقة، فنحن نشهد اليوم بوادر حرب باردة ستفرض ظلالها على العالم كله، إذ تجعله أقل أمناً، وتعرض شعوب القارة الأوروبية، بشكل خاص، إلى محنة المعاناة من قلق يومي بفعل السياسات الخرقاء لإدارة الرئيس الأميركي التي لم تترك مكاناً في العالم إلا وزرعت فيه الأزمات.
سيتأثر العالم كله بأجواء الحرب الباردة القادمة ولكن بطرائق تختلف عما كان عليه الحال ابان فترة الاتحاد السوفييتي، إذ أن روسيا اليوم، الأكثر براغماتية من سلفها، والتي لا يمكن إلا أن تكون قوة عظمى، تلعب دوراً أساسياً في السياسة العالمية، ستجد في الدول التي كانت صديقة للاتحاد السوفييتي أصدقاء وربما حلفاء لها، مع ميزة لم تكن متوافرة لها في السابق، وهي أنها لم تعد تحمل العقيدة التي كان العديد من دول العالم يتحفظون على علاقاتهم مع الاتحاد السوفييتي بسببها.
كاتب عراقي