في ذكرى نكسة يونيو 1967 يحلو للكثيرين من العرب ممارسة هوايتهم المفضلة في جلد الذات فيذهبون إلى تضخيم الهزيمة التي مضى عليها أربعون عاما وكأنها كانت بالأمس القريب.. متعمدين استخدام أسلوب التهكم المشوب بالشماتة والاستهزاء بالأمة وتاريخها مع التمجيد للعدو والتضخيم من قوته بأساليب لم يجرؤ العدو الصهيوني نفسه على استخدامها، وكأننا أول وآخر المهزومين في معركة، والأكثر من ذلك إيغالا في تعذيب الذات وخلط الأمور وقفزا على التاريخ والأحداث أن البعض يحمل على نكسة يونيو كل ما يحدث للعرب من يومها حتى الآن.

لقد كانت نكسة يونيو هزيمة قاسية بحق وبكل المقاييس، ولم تكن فداحة النكسة فقط في الهزيمة العسكرية واحتلال الأراضي فهذه أمور يمكن تعويضها مع الزمن، وهذا ما حدث بالفعل، ولكن فداحة النكسة في أنها أصابت العقل والحلم العربي الوليد بصدمة كبيرة كادت بالفعل أن تقضي عليه وأن تضع حدا حاسما لكل أحلام وطموحات وتحديات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

وكان هذا بالفعل هو هدف العدو الصهيوني ومن ورائه الإمبريالية العالمية، لقد كانت القيادة الناصرية بكل وطنيتها الصادقة وطموحاتها القومية وإرادتها الصلبة هي الهدف وليس الأرض أو الجيوش ولا المعركة، وهذا ليس كلام شعارات كما يعتقد البعض، والأدلة على ذلك كثيرة فقد كان الطيران الإسرائيلي في 67 يحلق في سماء مصر كلها بحرية مطلقة لا يهدده شيء وكان بإمكانه أن يدمر القاهرة ومدنا أخرى.

وكان بإمكانه على الأقل احتلال الضفة الغربية من القناة بسهولة، لكنه لم يفعل ذلك لأنه لم يكن هدفه هزيمة الدولة أو الشعب بل القيادة نفسها، وقد استوعب عبد الناصر هذا بسرعة وقرر التنحي عن الحكم، وكان صادقا في قراره ولم يكن ـ كما يعتقد البعض ـ يلعب بمشاعر الجماهير أو يعلم أنهم سيتمسكون به، خاصة وأن البدائل كانت موجودة وكان عبد الناصر يعلم أنه هو بشخصه الهدف ولهذا قرر التنحي ليخفف من وطأة الهزيمة ويتيح الفرصة لمن بعده للنهوض من جديد.

لقد كانت لحظة تنحي عبد الناصر عن الحكم هي لحظة النصر الحقيقية لإسرائيل ومن ورائها، وكانت في نفس الوقت صدمة للجماهير العربية فاقت صدمة الهزيمة، و خرجت الجماهير تتمسك بالقيادة، واعتبرت إسرائيل خروج الجماهير أمرا منظما و مرتبا له أو على الأقل لحظة عاطفية لن يطول تأثيرها لأن القيادة نفسها منكسرة ومحطمة نفسيا، كما أن إسرائيل ومن خلفها الإمبريالية العالمية لم تعر التحرك الجماهيري اهتماما كبيرا وكان أملها كبيرا في القيادات العربية الرسمية في أن تعطيها هزيمة عبد الناصر القوة والشجاعة الكافية لنبذه وفضحه كقائد مهزوم والشماتة به والتخلي عنه وتحطيم صورته لدى شعوبها.

وكانت الصدمة الكبرى بعد النكسة عندما انعقدت قمة الخرطوم في أغسطس، هذه القمة التي لم يشهد العرب مثلها حتى الآن، إنها قمة الإرادة العربية التي رفضت الهزيمة وصممت على إعداد العدة للنصر، إنها القمة التي جمعت العرب ولأول مرة في تاريخهم الحديث على قرار واحد وقيادة واحدة و عمل عربي مشترك حقيقي من أجل النهوض من الهزيمة وإزالة آثار العدوان والإعداد المشترك للنصر.

ويمكن القول ان «مصر عبد الناصر» لم تحظ في تاريخها بهذا الدعم والتأييد الرسمي العربي الذي حصلت عليه في هذه القمة التي أثبتت بالفعل أن هناك أمة واحدة مصيرها وهدفها واحد، وكانت هذه بمثابة الهزيمة السياسية والصدمة الكبيرة للعدو الصهيوني ومن وراءه والتي أضاعت عليهم حلاوة النصر العسكري.

وكان الإعداد العربي المشترك لمعركة النصر في أكتوبر 73، و كان نصرا عسكريا حقيقيا ولم يكن ـ كما يحلو للبعض تصويره ـ تمثيلية متفقا عليها، فالجيوش عندما تتحرك وتدخل ميدان المعركة لا يمكن أن تكون هناك تمثيليات ولا مؤامرات ولا اتفاقات خلف الكواليس، حتى لو وافقنا مع الرأي الذي يقول ان ما حدث بعد 6 أكتوبر كان في وعي وتخطيط القيادة المصرية قبل دخول الحرب، فإن هذا لا ينفي ولا يقلل من بطولة الجيوش العربية في المعركة والتي شهد بها العالم أجمع بما فيهم الأعداء.

ولكن تداعيات ما بعد النصر كانت بكل المقاييس كارثية ومآساوية أكبر بكثير من نكسة 67 التي تجاوزها العرب في قمة الخرطوم، فلقد كان يونيو 67 هزيمة عسكرية حققت تجمعا عربيا لم يشهد التاريخ العربي الحديث مثيلا له حتى الآن، بينما كان أكتوبر 73 نصرا عسكريا كبيرا أدى إلى تشتت الأمة وتفرقتها وإلى كوارث وهزائم متلاحقة لم يفق منها العرب حتى الآن، وكل ما يحدث للأمة العربية الآن ما هو إلا حصاد نصر أكتوبر 73 وليس حصاد هزيمة يونيو 67 كما يدعي البعض.

elmoghazy@hotmail.com