في قاموس اللغة الصينية يعبرون عن معنى «الأزمة» بحرفين متشابكين: الأول يرمز إلى «الخطر» والحرف الثاني يرمز إلى «الفرصة». والدلالة هنا تشير إلى أن الأزمة تنطوي على مشكلة ولكنها في الوقت نفسه تتيح إمكانية مواجهتها إذا ما أحسن المرء معالجة جذورها وتدبّر عواقبها.
هذا المنطق المعقول المستمد من حكمة الشرق الأقصى القديم يدعو إلى اتباعه والإصغاء إلى صوته. أنصار حماية البيئة الذين بات صوتهم مسموعا في أرجاء المعمورة، وأصبحت دعوتهم تتردد على منابر منظومة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، سواء بالتحذير من الخطر الذي بات محدقا ببيئة الأرض وغلافها الجوي ومواردها الحيوية - المائية على وجه الخصوص، أو بدعوة قادة العالم وزعمائه إلى المبادرة لاتخاذ إجراءات ناجزة وفعالة تحت شعار «إنقاذ ما يمكن الآن إنقاذه».
تلك رحلة فكرية ودعائية أشبه برحلة الأوديسة التي صوّرها الشاعر الإغريقي القديم هوميروس. لكن بينما اجتازت سفن البطل اليوناني أوديسيوس ساحات البحار ما بين آسيا الصغرى إلى جبل طارق، فإن «الأوديسة المعاصرة تتجلى فيها شخصية سياسي أميركي معاصر اسمه «آل جور» الذي يُحسب له ان ما زال يطوف العالم وينشر المقالات ويصدر الكتب ويستخدم وسيلة السينما ويزور الكونغرس في واشنطن (وقد كان عضوا) في مجلس الشيوخ قبل أن يحمل لقب نائب رئيس الدولة الأميركية في التسعينات. والرجل يفعل ذلك لأنه مؤمن بأن كوكب الأرض تحدق به الأخطار سواء من ناحية التلوث أو نضوب الموارد أو استنفاد الإمكانات أو تغير أحوال المناخ.
في آخر زياراته لمبنى الحكومة والمجلس النيابي في الكابيتول بالعاصمة الأميركية طالب آل جور زملاء الأمس من النواب والشيوخ بأن يكفوا عن تصور أن حماية البيئة والتصدي لتغير الطقس الكوكبي مجرد قضية أكاديمية أو صرعة دعائية، أو مسألة تهم فئة أو شريحة أو دولة أو أمة أو مصالح بعينها.
ولذلك فقد أكد السياسي الأميركي أن البيئة ينبغي أن تكون قضية «سياسية» أولا وأن تكون قضية «أخلاقية» ثانيا - بمعنى أن تصبح شأنا قوميا يتعامل معه الساسة وكبار صانعي القرار بقدر ما يستوجب الأمر التعامل مع نفس القضية بمنطق الشيم الأخلاقية التي تجمع بين شجاعة إدراك الحقيقة والاعتراف بها وعدم التغطية عليها من أجل استمرار مصالح هذا اللوبي الاقتصادي أو ذلك اللوبي السياسي أو الانتخابي.
نعم .. لم يعد الصمت ممكنا .. بل أصبح الأمر يقتضي بالحتم أن يفتح الناس عيونهم وعقولهم وأفئدتهم لكي يدركوا بوعي كامل أبعاد الأحوال السلبية التي آل إليها كوكب الأرض الذي يعيشون على سطحه ويستظلون بمناخه ويقتاتون من موارده.
ولو طبقنا ذلك المعيار الأخلاقي من منظور ثقافتنا القومية وإيماننا الروحي والعقائدي في الوطن العربي لأدركنا من زاويتنا أن هذا الإنسان مسؤول عن صيانة هذا الكوكب - هذا الكون الذي أبدعه صانعه العظيم لصالح الإنسان واستخلفه فيه وأوكل إليه مسؤولية القوامة على ما يحفل به من موارد وإمكانات.
وعلى كل حال فقد حرص آل جور خلال رحلة الأوديسة البيئية التي ما برح يجتازها على إصدار كتابه الحافل (238 صفحة من القطع الكبير) بعنوان «الحقيقة التي لا تريح أحدا» والحقيقة مريرة في كل حال. والناس يشفقون على مرارتها حيث كلمة الحق لم تترك لقائلها صديقا كما ألمح يوما علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
ورغم أن كتاب «الحقيقة المرّة» ما زال على قائمة أكثر الكتب رواجاً .. فقد عمد آل جور إلى إصدار كتابه الثاني بعنوان «عدوان على العقل» أو فلنقل «هذا الاجتراء على المنطق»®. ورغم أن الكتاب الثاني له طابعه السياسي بشكل عام فضلا عن انتقاده لسياسات الإدارة الجمهورية الحالية في البيت الأبيض بشكل خاص، إلا أن آل جور يوجه الانتقاد بالذات إلى الرئيس بوش ومعاونيه عندما يتطرق ( صفحة 198 ) إلى ضرورة إصدار قوانين تكفل حماية بيئة بلاده ومن ثم بيئة العالم من أخطار التلوث حيث يقول آل جور:
- أما في مجال سنّ هذه القوانين فإن إدارة بوش دأبت بغير استثناء على اختيار المصالح الخاصة وفضلتها على الالتزام بحماية الشعب الأميركي من غوائل التلوث.
وفيما لا يعنينا أن نتوقف عند هذا الشأن الداخلي الأميركي، إلا أن الذي يعنينا أكثر هو تأمل النصائح العشر التي يسوقها السيد جور لكل إنسان واع يعيش أو يتعايش مع ظروف كوكب الأرض.
إن الرجل يزجي لنا هذه النصائح من المنظور السلبي أو من خلال منطق المخالفة حيث أوجزها على شكل تحذيرات لقارئيه يقصد من خلالها أن يصحح مفاهيم ويزيل غشاوات الخدع أو الالتباس أو التعتيم عن عيونهم وعقولهم، ومن ثم فهو يصدّر كل نصيحة أو كل تحذير بعبارة «غير صحيح».
ها هو أولا يؤكد أنه ليس صحيحا أن العلماء يختلفون فيما بينهم حول مسؤولية البشر عن تغير مناخ الكوكب. بل الصحيح أن الناس مسؤولون عن حدوث هذا التلوث وعن مغبّة آثاره، ويؤكد ثانياً أن المسؤول الأول عن التلوث وتغيير المناخ هو انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وهو ما توضحه بجلاء النصيحة، ثالثا على نحو ما أوضحته البحوث العلمية من أن مستويات الكربون في الغلاف الجوي هي الأعلى ومن ثم الأخطر منذ 650 ألف سنة. و رابعا يؤكد أن ثقب الأوزون ليس مسؤولا عن حالة تساخن الكوكب نتيجة الاحتباس الحراري، وأن ثقب طبقة الأوزون وهي جزء من الغلاف الجوي حدث نتيجة استخدام الناس لأنواع من الكيماويات التي تم حظرها بموجب بروتوكول مونتريال.
ويحذر آل جور من الاستسلام إلى منطق اليأس الذي يقول: لقد فات أوان الإصلاح، مؤكدا أن هناك الكثير مما نستطيع أن نقوم به، شريطة أن نبدأ الآن. وبعدها يتحول السياسي الأميركي إلى القارة المتجمدة الجنوبية «أنتاركتيكا» التي يدور عليها المحور السادس من مقولاته مفندا تطمينات علماء يقولون ان تكويناتها الجليدية لا تذوب ولا تتقلص بل أنها ما زالت تتكون، فيقول ان هناك مناطق في تلك القارة المتجمدة تشهد حقا تكوينات جليدية .
ولكن الدراسة التي أجريت عام 2006 تؤكد أن المسطح الجليدي في أنتاركتيكا في حال من التآكل والانكماش مما يهدد مخزونات المياه العذبة للأجيال القادمة من البشر. ثم تصل الأوديسة التي نعرض لها إلى محطتها السابعة حيث تتصدى لمن يقولون بأن التساخن الكوكبي أمر إيجابي لأنه يخلصنا من زمهرير الشتاء ويعجل بنمو النبات. وبديهي أن يردّ آل جور بأن هذا التساخن من شأنه أن يفضي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر ومن ثم يهدد مساحات من الجزر والسواحل بالغرق والاندثار.
ثامنا هناك من يقول ان ظاهرة السخونة هذه أمر يكاد يقتصر على المدن التي تحبس الحرارة داخل أبنيتها العالية وزواياها المكتظة الضيقة .. والرد على هذا التصور الخيالي يقول ان الساحات المفتوحة الخضراء والغابات المترامية ومناطق الزروع في الأرياف.. باتت تعاني بدورها من درجات حرارة مرتفعة ومنذرة بالخطر على نحو ما دأبت على تسجيله أجهزة الأرصاد أما النقطة قبل الأخيرة فهي تشير إلى مقولة أطلقها عالم روسي .
ومفادها أن التساخن العالمي جاء نتيجة نيزك سماوي اصطدم بأرض سيبيريا الجليدية في روسيا في أوائل القرن العشرين ورغم أن هذا الافتراض وجد من يؤيده، ربما بحكم طرافته فضلاً عن إثبات حقيقة سقوط النيزك المذكور، إلا أن هذا الجرم السماوي ليس بقادر على أن يفضي إلى مثل هذا التأثير الذي نشهده في زماننا من حيث ارتفاع درجة حرارة كوكبنا بل أنه أقرب إلى ثوران بركان ينفجر ويقذف الحمم لكن تأثيره يظل محدوداً من حيث مساحة المكان وزمن الاستمرار.
وأخيراً يفند آل جور القول الذي يشيعه البعض من أن درجات الحرارة في بعض مناطق الكوكب لا ترتفع، ومن ثم فحكاية التساخن الكوكبي محض خرافة. وهنا يقول ان مناخ الأرض نظام بالغ التعقيد وأن آثار تغير هذا المناخ لن تكون متماثلة في كل الأماكن، صحيح أن هناك مناطق في أقصى شمال أوروبا قد تصبح أكثر برودة لكن هذا لن يغير من حقيقة أن درجة حرارة الكوكب في أغلب أقاليمه في حال من الارتفاع وكذلك درجة حرارة البحار والمحيطات وهو ما أكدته مختلف وسائل القياس ومنها بيانات الأقمار الاصطناعية.
من جانبنا نحسب أن مثل هذه الشخصيات تحاول جاهدة أن تؤدي واجباً أو تفي بالتزام تتصوره من حق قومها ومن حق البشر. وينبغي بالنسبة لنا أن نتابع مثل هذا الحوار المحتدم بين الآراء وأن نشكل منه منظومة من الوعي المستنير بما يدور من حولنا، لعلنا نبدأ خطى الوصول ومحاولات العلاج.
كاتب مصري