لا أظن التاريخ العربي الحديث شهد يوماً أطول من 5 يونيو 1967، ذلك أن اليوم الذي بدأ قبل أربعين عاماً لم تغرب شمسه بعد بفعل فاعل .. وهناك من يتمنى ألا تغرب شمسه أبداً.على مدى العقود الماضية تجمعت عدة عوامل أسهمت في تكريس يوم الهزيمة وجعله ممتداً بلا نهاية ومتغلغلاً في اللاوعي العربي لدرجه أنه أمم هذا اللاوعي لحسابه الخاص، ولم نعد مع هذا التأميم نتذكر لحظات كان يمكن أن تمثل بداية لعهد جديد نتخفف فيه قليلاً من مرارات الانكسار.
هناك من يقصد بهذا التخليد الذي يتم عن وعي للهزيمة استهداف فكرة الوحدة العربية وهناك من هدفه النيل من دور مصر والتذكير بعدم صلاحيتها للقيادة. وآخرون خارج العالم العربي يعرفون أن فرض الشروط على الدول التي تتشكل منها الأمة يستلزم تذكيرها بلحظات ضعفها وإبقاءها أسيرة انكسارها. أما إسرائيل فصنعت منه أسطورة وحاولت تثبيت الزمن عنده حيث إنها في ذلك اليوم بلغت ذروة قوتها وبلغ أعداؤها حضيض ذلهم.
توجد أيضاً عوامل موضوعية تجعل اليوم عصياً على النسيان، فالأرض التي تم احتلالها لم تعد بعد، والذين ورثوا الأوطان المهزومة لم يكن بإمكانهم انتقاء ما يرثون وما لا يرغبون في وراثته. كما أن سد الكبرياء القومي الذي تهاوى أتبعته موجات من الانكسار لم تبلغ نهايتها بعد. فسقوط القدس يوم 7 يونيو 67 لم يكن مقطوع الصلة باحتلال بيروت في الثمانينات من القرن نفسه وباحتلال بغداد في 9 أبريل عام 2003، كما يحلو للبعض أن يربط أداء الجيوش العربية على جبهات القتال في حرب استمرت ستة أيام وأداء النخب الحاكمة في علاقاتها مع العالم الخارجي طوال أربعة عقود.
ولأن الأمم ليست كالمتبارين في حلبات الملاكمة، يمكن إقصاؤهم من تاريخ اللعبة بالضربات القاضية، كان يجب أن يعبر العرب نهر الهزيمة النفسي هذا في عام أو عامين أو حتى عشرة، كما عبره الجيش المصري عسكرياً في ستة أعوام .. لكنه يبدو أن هناك إرادة جماعية عربية بالبقاء تحت المقصلة، أو أن أحداً ليس على استعداد لدفع استحقاقات التداوي من مرض الهزيمة المزمن هذا.
ورغم أن ما بثته الفضائيات العربية التي أحيت المناسبة - وأثبت عدم معرفة شريحة واسعة بما حدث في هذا اليوم - قد أحزن البعض وجعل البعض الآخر يحس بالخطر، إلا أني رأيت فيه جانباً إيجابياً، فعدم المعرفة معناه أن الضرر النفسي الواقع على هذه الشريحة في حده الأدنى رغم أن الجهل بالتاريخ القريب قد يعني أن عصر الإحساس الجمعي بأننا أمة قد ولى.
آلية الخروج من محنة 5 يونيو لا تزال ممكنة، وليست الحروب وحدها هي السبيل لذلك، فالتنافس بين الأمم علمياً وحضارياً وثقافياً واقتصادياً قد يوصل إلى نفس الغاية التي تتيحها ميادين القتال .. وكان يمكن للعالم العربي (إن شاء القائمون على أمره) أن يجعل يوم الهزيمة محطة انتقال إلى وهج حضاري، لكنّ أحداً لم يشأ وضع يده على أسباب الهزيمة الحقيقية، فبدلاً من إدراك أن الفجوة العلمية بيننا وبين عدونا، وغياب الحرية هما السبب الرئيس للهزيمة أخذ البعض يلقي باللائمة على مصر ويحملها وحدها وزر ما حدث. وبدلاً من إدراك أن الهزيمة نالت من كل عربي حتى أولئك الذين كانوا في بطون أمهاتهم أو أصلاب آبائهم أخذ البعض يرقص بالسيف شماتة فيمن لحقتهم هزيمة ميادين المعركة.
الفرصة لا تزال متاحة لتجاوز الهزيمة .. لكننا إن بقينا على حال التردي هذا ربما نظل أسرى لشبح 5 يونيو عقوداً طويلة أخرى.