هناك أمر، انتهت قصة هناك، والآن تبدأ أو ستبدأ أحداث قصة أخرى من نفس الموقع، وهي قصة محبوكة بشكل لا يدعو للشك.

لأننا لا نشك بقدرات الكثيرين واستخدام مواهبهم القديمة في حبك قصص العنف والدم في الشرق الأوسط، والهدف الظاهر من الأحداث: تطبيق العدالة، والهدف المخفي: يعلمه الجميع ولكن حمية الانتقام من الخصم أعظم من العقل وأمن الوطن، لا أحد يعترض على القانون الذي هو فوق الجميع، ولكن هناك أيضا شروطا لتطبيق العدالة: ومنها أن يكون القاضي عادلا والمحققون عادلين والعقاب أيضا عادلاً، وأمر آخر. الكثير من أولياء الدم يتنازلون عن حقهم في تطبيق القصاص تجنبا لفتنة أكبر.

هناك سيناريو بدأ يتشكل اليوم في لبنان. ونفس السيناريو حدث قبل أعوام في العراق. وبما أن السيناريو واحد فالنهاية قد تكون واحدة أيضا، فالعراقيون فرحوا ورقصوا في الشوارع عند سماع قرار مجلس الأمن بتخويل دول التحالف استخدام القوة العسكرية لإسقاط رئيس العراق الأسبق صدام حسين رغم أنه امتثل لكافة مطالبهم ـ تماما كما يرقص اللبنانيون اليوم في شوارع بيروت ابتهاجا بقرار مجلس الأمن نفسه بتشكيل محكمة دولية بشأن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ويبدو أن الفرحة بالقرار جاءت نكاية بالمعارضة المحسوبة على سوريا أكثر منه مطلبا شرعيا عادلا.

فالموافقة على تطبيق العدل لا تصل إلى درجة الرقص في الشوارع. خاصة وأن المحكمة تعني أولا تقصي الحقائق ومن ثم البحث عن الجناة وبعدها التأكد من صحة البيانات والاعترافات ودراسة الوقائع والمداولات. وإلى الآن شرعا لم تثبت جريمة أحد أيا كانت الاتهامات الموجهة إلى سوريا. والمتهم بريء حتى تثبت إدانته.

صحيح أن الأمة العربية والإسلامية بأكملها لا توجد بها محكمة عادلة واحدة، ولا قاض عادل واحد ـ وإلا فما تفسير طلب اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لتعيين محكمة دولية؟! ـ إلا أننا أيضا نريد أن نعرف (من) سيقوم بتعيين القضاة والمباحث والمحققين وغيرهم من أدوات العدالة؟

وهل ستترك الولايات المتحدة المحكمة الدولية تعمل بشكل مستقل؟ وهل تركت الولايات المتحدة المحكمة التي أنشئت لمحاكمة صدام ومعاونيه مستقلة؟ وهل تركت الولايات المتحدة الأميركية الوكالة الدولية للطاقة مثلا حرة في كتابة تقاريرها؟ وينطبق الأمر نفسه على العديد من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الأخرى.

وبما أن العدالة الدولية يجب أن تكون عادلة دوليا وشاملة، فيجب بالتالي أن لا يتم حصر جرائم العالم كلها في قضية الحريري وكأنها فقط جريمة العصر. يجب أن تكون هناك محكمة دولية لمعاقبة القتل المباشر في أفغانستان والقتل المباشر في العراق وقتل الفلسطينيين في فلسطين ومحاكمة كل من كان ويكون خلف تلك الجرائم باسم الديمقراطية بينما الهدف منها واضح وضوح الشمس. إن مجزرة قانا في لبنان تستحق وحدها محكمة دولية عن كل طفل قتل فيها بدم بارد.

لا أحد يعترض على محاكمة قتلة الحريري. والكل مع وقف المساس بسيادة الدولة اللبنانية والشعب اللبناني. وما ينطبق على لبنان ينطبق على كل الشعوب التي تعيش على الكرة الأرضية. فقط يجب أن تكون محاكمة قتلة الحريري بداية عادلة لوضع أسس عادلة لمحاكمة عادلة لجميع مجرمي الحرب في العالم، الكثيرون بدأوا يتساءلون عن سبب التركيز على لبنان وقضية مقتل الحريري. وما هي مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل بالذات من ذلك. ولماذا تم تجاهل مقتل العديدين من سياسيي العالم بينما وقفت عقارب الضمير الإنساني عند مقتل رفيق الحريري.

ولا توجد غير إجابة واحدة لا غير: معاقبة النظام السوري. ولماذا النظام السوري وليس الأردني أو المصري؟ لأنها ما زالت الدولة الوحيدة الرافضة علنا تقديم أي تنازلات بدون مقابل. وقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في مناوراتهما لإخراجها من لبنان. فخرجت. ثم تمت محاولة يائسة للقضاء على حليفها حزب الله. وفشلتا. والآن عادتا من جديد للتذكير بمقتل الحريري واتخاذ الخطوة القادمة لإركاع هذه الدولة العربية المستمرة في عنادها. فإما أن تتنازل وإما أن تحال إلى عراق ثانية في منطقة الشرق الأوسط. ومحاولات التركيع ما زالت على قدم وساق، واللبنانيون غائبون عن نتائج كلا الاحتمالين.

فأي تغيير في نظام سوريا حاليا سواء بالاغتيال أو الانقلاب ودون وجود بديل في المقابل، سيؤدي إلى فوضى شاملة واضطرابات واغتيالات وانتقام وانتقام معاكس سيمتد إلى مساحة لبنان كلها. وأي هجوم عسكري على سوريا ستصبح دمشق على إثره بغداد ولبنان إلى دويلات طائفية ليسهل بعده محاصرة الجنوب الذي دوخ إسرائيل على مدى عقود من الزمن.

أما عناصر القاعدة الضاربة في مشارق العالم ومغاربه فستجد لها أرضا خصبة في كلا الموقعين، فإذا كان هذا ما يرغب اللبنانيون في تحقيقه، وتحويل لبنان الأخضر إلى لبنان أصفر في غمضة عين، فعليهم الخضوع للأوامر والمخططات الخارجية. وما المحكمة الدولية سوى الخطوة الأولى نحو تمزيق سوريا ولبنان لضمان بقاء الدولة العبرية.

إن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل مستعدتان لعمل كل ما بوسعهما لضمان بقاء إسرائيل حية وقائمة إلى أطول فترة زمنية ممكنة حتى ولو حولتا الشرق الأوسط إلى كتلة من الركام. وهما تدركان جيدا أن أي مغامرة ضد سوريا بأي شكل كان ستفتح لمنظمة القاعدة وغيرها من المنظمات الإسلامية المتطرفة التي بدأت تتخذ لها ألقابا عدة، ألف باب لاستكمال مهماتها على مواقع جديدة.

والولايات المتحدة وإسرائيل تعتقدان أن تحويل سوريا إلى عراق آخر وفتح أبواب المنظمات الإرهابية فيها لن يخرج عن نطاق تدمير سوريا ولبنان من الداخل كما يحدث الآن في العراق ولن يصيب إسرائيل بضرر. وهذا أيضا غير مضمون.

إن أحداث نهر البارد والتي فاجأتنا بما تملكه منظمة «فتح الإسلام» ـ التي لم نسمع عنها من قبل كثيرا ـ من قوة لوجستية كبدت الجيش اللبناني خسائر فادحة في غضون يوم واحد، يدل على أن لبنان الذي انشغل بعد حرب الجنوب بكل طوائفه بين شد وجذب بين الحكومة والمعارضة فتح المجال لتشكل بؤر قد تهدد مستقبله بأكمله.

فهل ما زال اللبنانيون يعتقدون أن إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على تشكيل محكمة دولية هو حبا في لبنان والوصول للحقيقة ودفاعا عن دم الحريري هكذا لوجه الله؟ وهل ما زال العرب والمسلمون في كل بقاع العالم يعتقدون أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ستعملان على إحلال العدل في المنطقة؟

إذا كان هذا ما يعتقده اللبنانيون والعرب والمسلمون عامة، فإن الأيام كفيلة بأن تثبت لهم حقيقة الأمر، الولايات المتحدة تريد هدم لبنان على رؤوس أهله لكي يصبح لقمة سائغة في فم إسرائيل.

ولا أستبعد أن يكون مخططها إضعاف وتمزيق لبنان أولا ومن ثم تحويله إلى كانتونات تقع تحت وصايتها العسكرية والسياسية. وسيكون كل شيء تحت المظلة الشرعية ما دام الضوء الأخضر قد جاء من مجلس الأمن لمتابعة ومحاسبة قتلة رفيق الحريري دون ذكر لمن قتل المدنيين اللبنانيين وشردهم، ولمن قتل الشعب العراقي وشرده ودمر بلده. وعندما تبرر إسرائيل أعمالها الإرهابية لحماية أرواح أطفالها من مقاتلي حزب الله فإن كل شيء شرعي وجائز.

فمتى سيعي ويدرك اللبنانيون ـ قبل أن تنقلب الفرحة إلى ندم كندم 90% من العراقيين اليوم على ذهاب صدام وتصديق وعود الولايات المتحدة قبل الاحتلال ـ بأنه قد بدأ العد التنازلي لممارسة لعبة العراق على أرضهم هذه المرة وأيضا من خلال قرارات مجلس الأمن؟

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات