في ظروف غير متكافئة لا توفر شروط إعادة تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط يعاني الشريكان الأساسيان في الصراع، الفلسطينيون والإسرائيليون أزمات حكم صعبة، تخدم المخططات الإسرائيلية، وتلحق بالمصالح والقضية الفلسطينية أفدح الأضرار.

على خلفية هذه الأزمات أساساً تراجع الحماس العربي الذي بدا واضحاً في قمة الرياض، نحو تسويق وتنشيط المبادرة العربية، وتراجعت الجهود الأميركية والدولية التي توحي بأن ثمة دفعة جديدة قوية لضخ دماء جديدة في عروق عملية السلام المتجمدة منذ سنوات.

أما مؤشرات هذا التراجع فتبدو واضحة من جمود عمل لجنة المتابعة التي انبثقت عن القمة العربية وتتشكل من ثلاث عشرة دولة، وفي استمرار الحصار رغم التخفيف النسبي الذي وقع، وأيضاً في تراجع الحماس العربي والدولي تجاه دعم اتفاقية مكة وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية مقابل ظهور دعوات أطلقها وزير الإعلام الأردني السابق صالح القلاب، ومدير تحرير جريدة الحياة اللندنية جهاد الخازن، وتدعو إلى العودة إلى ما كان قبل عام 1967، حيث تتبع غزة لمصر والضفة في إطار كونفدرالي إلى الأردن.

في أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة الشرق الأدنى للاستشارات أعرب 30% من الفلسطينيين المستطلعة آراؤهم عن تأييدهم لفكرة الكونفدرالية مع الأردن، الأمر الذي يعكس من بين مؤشرات أخرى تراجع فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة نتيجة الإحباط الشديد الذي يشعر به 92% من الفئة المستهدفة حسب الاستطلاع ذاته.

وبغض النظر عن مدى وجاهة فكرة العودة إلى ما كان عليه وضع الفلسطينيين قبل هزيمة يونيو عام 1967، وأيضاً إزاء فكرة أخرى يجري الترويج لها هذه الأيام وتدعو إلى تدخل قوات إقليمية ودولية للفصل في قطاع غزة، والتي يرفضها 68% من الفلسطينيين، فإن مجرد تداول مثل هذه الأفكار والاقتراحات، إنما يقدم مؤشراً إضافياً على مدى تردي أوضاع الفلسطينيين وقضيتهم.

الأزمة في الجانب الفلسطيني تصل أساساً بالصراع على السلطة بين حركتي فتح وحماس، والأسوأ فيها عدم الالتزام بما يتم الاتفاق عليه بما في ذلك وأساساً اتفاق مكة، واستخدام السلاح والعنف المفرط في السعي لتحقيق الأهداف والمصالح الحزبية الخاصة.

على أن الأزمة الداخلية الفلسطينية التي يحمل 64% من الفلسطينيين المسؤولية عنها لحركتي فتح وحماس حسب الاستطلاع المذكور جعلت 60% من هؤلاء يطالبون باستقالة حكومة الوحدة الوطنية، لصالح خيار إعلان حالة الطوارئ الذي يؤيده 56%.

نتائج الاستطلاع تشير إلى أن الجمهور الفلسطيني مصاب بحالة من القرف والإحباط الشديدين، إزاء الفصائل والفصائلية المسؤولة عن الاقتتال والأزمة وإزاء حكومة الوحدة الوطنية التي لم تقدم شيئاً منذ تشكيلها قبل نحو ثلاثة أشهر، وإزاء كل الخيارات الموجودة، والتي تشوه صورة الوضع الفلسطيني وتشوش مشروعه الوطني وخطابه السياسي للمحيط الإقليمي والدولي وفي الوقت ذاته تقدم لإسرائيل المزيد من الذرائع لمواصلة العدوان والتهرب من استحقاقات إعادة تنشيط المفاوضات السياسية وعملية السلام.

في محاولة منه غير ناجحة حتى الآن قدم الرئيس محمود عباس للفصائل، خطة من عشر نقاط لتهدئة الوضع المتفجر مع إسرائيل تستهدف وقفا متبادلا لإطلاق الصواريخ الفلسطينية والعمليات الإسرائيلية البرية والبحرية والجوية في قطاع غزة، وبعد شهر تتم التهدئة في الضفة، وبحيث تتوقف عمليات الاغتيال والمطاردة والاعتقالات، ويتم حل مشكلة المطاردين والمبعدين من خلال اتفاق.

خطة النقاط العشر للرئيس عباس التي ترفضها الفصائل خصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي، تذهب إلى تحريك الوضع السياسي، حيث ترى تحقيق التهدئة مع الجانب الإسرائيلي يفترض أن يتبعه سعي من أجل تنفيذ اتفاق شرم الشيخ، الذي ينص على انسحاب قوات الاحتلال وفق جدول زمني متفق عليه، من المناطق التي احتلتها منذ 28/9/2000، أي منذ اندلاع الانتفاضة بالإضافة إلى إزالة الحواجز من الضفة ونشر قوات الأمن الوطني بالتدريج على الحدود الشمالية والشرقية من قطاع غزة مع إسرائيل.

على أن محاولات عباس غير الناجحة في إقناع الفصائل بوقف إطلاق الصواريخ وفق الآليات التي تتضمنها خطته العشرية، لا تعني أن الفصائل خصوصاً حماس غير مستعدة للتهدئة خصوصاً في ضوء تصاعد التهديدات الإسرائيلية باستهداف القيادات السياسية، لكن تلك الفصائل لا ترغب في منح الرئيس الفلسطيني امتياز الحصول على موافقتها كما أنها تسعى وراء تهدئة متزامنة ومتبادلة في غزة والضفة.

وإذا كان شعور الرأي العام الفلسطيني، أن التهدئة مع إسرائيل من شأنها أن توفر الفرصة لعودة الصراع والاقتتال الداخلي، خصوصاً وان إسرائيل تعمل كل الوقت من أجل ذلك، فإن الحوارات التي تجري في غزة بمشاركة الرئيس عباس ورئيس الحكومة وقيادتي حركة فتح وحماس، لم تنجح في معالجة أسباب الأزمة مما يعني أن التهدئة التي توصل إليها الطرفان بتدخل من الوفد الأمني المصري، هي تهدئة مؤقتة والمؤشرات على إمكانية انهيارها في أي وقت قائمة على الأرض ومرئية للعيان.

وبالمثل فإن المحاولات المصرية لإجراء حوارات في القاهرة مباشرة ومنفردة مع وفود من الفصائل الخمس والتي بدأت مع الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية، هذه المحاولات والحوارات، لا تدعو للثقة بأنها ستحدث تغييراً في واقع حال الفلسطينيين خصوصاً في ظل تعطل اتفاقية مكة، وتزايد الفئات والجهات التي تعارض ذلك الاتفاق وترى أن ما جاء بعده ينطوي على خديعة لحركة حماس التي لم تحصل على ما قرره لها اتفاق مكة.

وفوق هذا وذاك وفي ظل انغلاق الأفق السياسي، تتزايد المداولات والأحاديث عن إمكانية انهيار الحكومة وحل السلطة، وكل ذلك يجري في إطار الاختلافات الحادة بين الفصائل على البرامج والخيارات وحتى على أساليب ووسائل معالجة هذه الخلافات التي تتسع شقتها مع كل دوره من دورات العنف والاقتتال الداخلي.

على الجانب الآخر، من المعادلة، تقف حكومة إيهود أولمرت الضعيفة على حافة الانهيار بعد ظهور النتائج الأولية للجنة فينوغراد، وتدني شعبية رئيسها إلى نحو 1%، واحتمالات انسحاب حزب العمل منها إذا فاز برئاسته جنرال الأمن السابق عامي أيالون الذي يتنافس مع الجنرال السابق إيهود براك، وبعد أن فشل في المنافسة زعيم الحزب الحالي عمير بيريتس وزير الدفاع في الحكومة، والذي حمله تقرير فينوغراد الكثير من المسؤولية عن فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان العام الماضي.

حكومة أولمرت تحتاج بشدة لارتكاب عدوان واسع يغطي عجزها لكنها تضبط وتيرته على إيقاع رغبتها التي تحظى بالأولوية، والتي تتمثل في التدخل لإذكاء نار الفتنة الداخلية والاقتتال بين الفلسطينيين، هنا أزمة عميقة وهناك أزمة أيضاً غير أن ثمة فارقا جوهريا، تدركه القيادات الفلسطينية ولكنها لا تعمل بموجبه إذ إن الأزمة على الصعيد الفلسطيني تأكل من رصيد القضية، ومن رصيد المشروع الوطني ومن رصيد المجتمع الفلسطيني ووحدة بينما هي على الطرف الآخر توفر لإسرائيل الذرائع لمتابعة مخططاتها على الأرض تلك المخططات التي تنسف الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه التسوية وعملية السلام.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com