مشروع الدرع الأميركية المضادة للصواريخ المزمع نصب قواعد له على أراضي الدول المجاورة لروسيا، والذي أجريت له تجربة فاشلة في الأسبوع الماضي، هذا المشروع الذي ترفضه موسكو وتعتبره موجها ضدها لا يعني بالضرورة أنه يشكل تهديدا لأمن روسيا.
ولا يعني بالطبع أي احتمال لأي مواجهة عسكرية بين موسكو وواشنطن لا في المستقبل القريب ولا البعيد، المشروع له أبعاد أخرى سياسية وتجارية واستراتيجية، ولهذا ممكن القول ان الأميركيين صادقون في قولهم وتصريحاتهم بأن المشروع ليس له أي توجهات أمنية عسكرية ضد روسيا، لكنهم ليسوا صادقين في قولهم انه ضد التهديدات القادمة من دول مثل إيران وكوريا الشمالية، وقد رد الرئيس بوتين على هذه الادعاءات في جولاته الأخيرة في أوروبا في الأسبوع الماضي.
هذا المشروع في الأساس يشكل استنزافا كبيرا للميزانية الأميركية لصالح مؤسسات صناعة السلاح هناك، وقد ظل الجمهوريون صامتين عنه طيلة سنوات حكمهم السبع الماضية لأن الحرب في العراق وأفغانستان كانت تحقق للمؤسسات الصناعية الحربية عائدات خيالية لم تحققها منذ عام 1985 بعد تولي جورباتشوف الحكم في الاتحاد السوفييتي وبداية أفول الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن.
مما أضعف حجة البنتاغون ومِن ورائه تجار السلاح في طلب ميزانيات كبيرة للحروب حتى جاء المحافظون المتشددون من صقور الحرب في إدارة الرئيس بوش وجاءت معهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر،
و ظهر تهديد الإرهاب المتطرف الذي لم تعرف مصادره حتى الآن وإن كان قد بات واضحا للجميع ان المستفيد الأكبر من وراء هذا الإرهاب هم تجار السلاح الأميركيين الذين باعوا للبنتاغون من الأسلحة منذ عام 2002 حتى الآن ما يعادل عشرين ضعفا ما باعوه خلال سنوات التسعينات.
الآن أصبح في حكم شبه المؤكد خروج المحافظين من البيت الأبيض مع الجمهوريين بعد أن فشلوا في انتخابات البرلمانين الأميركيين، الأمر المتوقع معه تخفيف حدة الحروب الأميركية في العالم وربما رجوع الجيوش الأميركية لقواعدها عبر الأطلسي.
وإن كان هذا الأمر ليس مؤكدا تماما نظرا لأن الديمقراطيين هم أيضا يخضعون مثل الجمهوريين لضغوط أباطرة السلاح والنفط في الولايات المتحدة ويتدخلون في سياسات الحزبين ويدعمون مرشحيهم في الرئاسة، ولكن هناك فرقا بين الجمهوريين والديمقراطيين في التعامل مع هذه الجهات.
حيث لم تأت من قبل إدارة جمهورية في البيت الأبيض على مدى نصف قرن مضى إلا وكان فيها ممثلون لهذه المؤسسات أو حتى عاملون فيها يمثلون بشكل مباشر مصالحها وينفذون مخططاتها، وهذا الحال غير موجود مع الديمقراطيين الذين يخشون دائما من تلوث سمعتهم باختلاطها بمراكز المال الكبيرة.
لأن هذا ممكن أن يؤثر بشدة على شعبيتهم داخل الولايات المتحدة والممتدة في الأساس في الأوساط الفقيرة والمتوسطة، ولهذا فإن احتمال خوض الديمقراطيين في حروب واسعة وكبيرة وممتدة لوقت طويل هو احتمال ضعيف، وما حدث في عهد الرئيس الديمقراطي الأخير كلينتون من حروب وهجمات هنا وهناك كانت خاطفة ومحدودة زمنيا واعتمدت في الأساس على ما كان موجودا بالفعل لدى البنتاغون من عتاد وسلاح ولم تصرف لها اعتمادات مالية كبيرة.
وربما نستدل على ما نقول بالنظر إلى مشروع منظومة الدفاع المضاد للصواريخ والموجود منذ عهد الرئيس الراحل ريجان، سنجد أنه استمر حتى عهد الرئيس كلينتون، ولكن إدارة الديمقراطيين آنذاك استغلت فرصة فشل تجربتين من ثلاث أجريت لهذا المشروع لكي تضع المشروع على الهامش ولا توليه اهتماما كبيرا.
وقد قالها الرئيس كلينتون صراحة عند فشل تجربة المشروع في الآونة الأخيرة من فترة حكمه عندما قال «سأترك هذا المشروع ولن أخوض فيه أكثر من ذلك وليأت من بعدي من يستمر فيه»، وكأن كلينتون لا يريد أن يغضب أباطرة السلاح والشركات المهيمنة على هذا المشروع فاتخذ حجة فشل التجربة لعدم استمراره في المشروع.
الآن أصبح من المتوقع أو حتى من المؤكد أن ميزانية الدفاع ستنخفض بشكل كبير بعد خروج الجمهوريين ودخول الديمقراطيين للبيت الأبيض، واحتمالات الحروب الواسعة النطاق والممتدة لزمن طويل ستضعف بشكل كبير، ولهذا لا بد من إحياء الاهتمام بهذا المشروع حتى يشكل مصدرا لعوائد مالية كبيرة أخرى لمؤسسات صناعة السلاح الأميركية.
ويجب عدم الانتظار حتى يخرج الجمهوريون ويأتي الديمقراطيون للبيت الأبيض حتى لا يكون هناك مبرر للديمقراطيين مرة ثانية أن يهملوا المشروع بحجة أن الجمهوريين كانوا في الحكم ولم يهتموا به، وبالتالي يمكن القول ان ما تفعله إدارة بوش الآن مع مشروع نظام الدفاع الصاروخي والذي يزعج روسيا كثيرا ليس الهدف منه معاداة روسيا ومحاصرتها بقدر ما الهدف هو توريط الديمقراطيين بعدهم في الاستمرار في هذا المشروع وعدم التراجع عنه.
وإلا ما المبرر أن تدخل إدارة بوش الآن بالتحديد في خلافات مع موسكو وهي متورطة في مشاكل لا حصر لها في العراق، وتحتاج دعم موسكو في حملتها ضد الإرهاب وفي تضييق الخناق على إيران، وهذا ما عكسته العلاقات الطيبة والودية بين الرئيسين بوش وبوتين خلال السنوات الماضية رغم العديد من الخلافات بين البلدين وتنافس المصالح بينهما في أماكن كثيرة في العالم.
هناك جانب آخر مهم أيضا في المشروع الأميركي، وهو تجاري وربحي أيضا، حيث ان نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي في أوروبا سوف يوحي بوجود تهديدات أمنية وعسكرية على بلدان أوروبا سواء من روسيا أو من إيران وكوريا الشمالية وغيرها - كما تدعي واشنطن - وهو الأمر الذي سيفرض على هذه الدول ضرورة دعم أمنها وقوتها العسكرية .
وتخصيص ميزانيات أكبر للدفاع على حساب برامج التنمية الاقتصادية، وهو الأمر الذي سيعود على مؤسسات تصنيع السلاح الأميركي بعائدات كبيرة لأنها ستشكل المصدر الأول وربما الوحيد لتسليح هذه الدول.
وهو الأمر الذي سبق أن عانت منه كثيراً الدول الأوروبية أعضاء حلف شمال الأطلسي طيلة سنوات الحرب الباردة وعانت منه أيضا الدول الحليفة والصديقة لواشنطن في أماكن أخرى من العالم مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول في الشرق الأوسط أيضا غرقت كلها في دوامة شراء السلاح الأميركي تحت وجود تهديدات وهمية من المعسكر الشيوعي.
إذاً المشروع الأميركي له أهداف أخرى ربحية كبيرة لجهات معينة، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا تغضب روسيا وتثير كل هذه الزوبعة إذا كانت فعلا غير مستهدفة بشكل مباشر من وراء هذا المشروع؟ الأمر بالنسبة لروسيا له اتجاهات أخرى، إذ لا يمكن لروسيا أن تقف صامتة وسلبية إزاء ما يحدث على حدودها من حشود عسكرية أميركية، حتى لو كانت لا تستهدفها بشكل مباشر.
لأن هذا في النهاية سيشكل نقاط ضعف قوية تضغط على روسيا وسيكون له بالغ الأثر على مكانتها على الساحة الدولية، حيث ستبدو للعالم وكأنها محاصرة ومشلولة أمنيا بل أيضا ومهددة في أي وقت، الأمر الذي يضعف هيبتها ويصرف عنها حلفاءها ويتيح الفرصة لأطماع الدول الأخرى تجاهها.
وخاصة الدول المجاورة لها الذين ما زالوا يعملون ألف حساب لقوتها العسكرية، كما أنه سيضعف مكانة روسيا في أسواق السلاح العالمية التي أصبحت تدر على روسيا عائدات كبيرة، ناهيك عن أن وجود الخطر والتهديد الأميركي على الحدود الروسية أمر غير مضمون مستقبلا في ظل الحروب المجنونة
وغير المبررة التي تشنها إدارات الحكم في أميركا بين الحين والآخر، ولهذا فإن على روسيا ألا تصمت وتصدق الوعود والتصريحات الأميركية إذا أرادت أن تحافظ على هيبتها ومكانتها على الساحة الدولية وأيضا إذا أرادت أن تضمن أمنها في المستقبل.
جامعة سيبيريا