عُقدت في السادس من مايو المنصرم في الشارقة ندوة هامة على مدار يومين تضمنت أربع جلسات، تحت عنوان «استعادة الوعي العربي»، وقد دُعي لها مجموعة من المثقفين ورجال السياسة والإعلام وأساتذة الجامعات في الوطن العربي من مختلف مناهج الفكر، ليسلطوا الضوء على المشهد العربي الراهن وعلى العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في إعداده، وعلى تداعياته ومخاطر هذه التداعيات وآثارها المحتملة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية.
عنوان هذه الندوة يحتوي ضمنياً على تقريع غير مباشر للجيل الحالي من الشباب العربي وكأنه مسؤول عن غياب أو تغييب هذا الوعي، ورغم تحفظي على هذا العنوان، الذي فيه الكثير من الالتباس، لا أرى بأساً في تقبله كمدخل للحوار حول هذا الموضوع الخطير على أمل ألا يُعفى الجيل السابق من المسؤولية عن الإرث الذي أستلمه الجيل الحالي.
تابعت باهتمام مجريات الندوة وأحسست وأنا أتفحص أجندتها وأتابع ما يطرح فيها وأتطلع في وجوه المتحدثين حول محاورها بأن هنالك أكثر من شيء مهم مفقود فيها. أعباء إعدادها وتنظيمها، وهي جهود جديرة بالتقدير، إلا أن ما ينقصها هو مؤشرات مستمدة من الواقع يستطيع في ضوئها المتحدثون أن يروا المشهد العربي الحالي كما هو.
كان من المهم عرض محاور الندوة لاستطلاعات الرأي العام العربي بطريقة علمية لجس توجهاته وتحويلها إلى أرقام وإلى نسب مئوية يتمكن الحضور في ضوئها من الحديث على أسس قريبة من الواقع وبالتالي الوصول إلى استنتاجات عملية وواقعية، فقياسات الرأي العام أصبحت من الضرورات لأجل التوصل إلى صيغ وتوصيات واقعية وعملية لرسم السياسات وصناعة القرارات.
كما أن هنالك نقصاً آخر لا يقل أهمية عن الأول، ألا وهو غياب الجيل الحالي من الشباب عن الحضور، فمعظم المدعوين الذين حضروا الندوة هم من الذين كلل الشيب هاماتهم وأثقلت السنون خطاهم، من الذين ينتمون إلى ماض يتحسرون على أفوله، هؤلاء بكل تأكيد يحملون خبرة ثرة عن بريق وصعود وانحدار الماضي، إلا أنهم لم يتعرفوا على طموحات الجيل الحاضر ولا على طرائق تفكيره.
هذه ليست ملاحظات نقدية تقليدية، وإن بدت كذلك، ففكرة عقد الندوة هي في الحقيقة من الثراء بحيث إن النقد الذي يترتب على بعض محاورها هو جزء من برنامجها الطموح نحو النهوض بوعي العالم العربي، ولكن لماذا نتحدث عن ضرورة استعادة الوعي العربي؟ ألأن هنالك استشرافا بغياب هذا الوعي ؟ وإن كان ذلك كذلك فما هي أبرز المؤشرات على غياب هذا الوعي؟ وما هي أسبابه؟ كيما يتمكن الحضور من تشخيص العلاجات الضرورية لها مرحلياً أو مستقبلياً؟
الوعي موضوع شائك للغاية تختلط في غياهبه أمور شتى منها ما هو ذاتي ومنها ما هو غير ذلك، وإن من الحكمة بمكان تجنب الوقوع في فخ صياغة تعريف محدد له. إلا أن ما يُفهم من سياقات الندوة أن المقصود بغياب الوعي هو غياب العناصر التي تقوم بصياغة الموقف الجمعي، على المستويين الحكومي والشعبي، في العالم العربي.
أي غياب العناصر ذات الأهمية في تحريك وتوجيه الفرد نحو تبني قضية عامة تخص العالم العربي وليست قضية شخصية تتعلق بهذا الفرد. شهدت سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي مولد المشاريع القومية العربية الطموحة كنتيجة حتمية لتلبية تطلعات الشعوب العربية لنيل حريتها واستقلالها.
فقد اندلعت في هذين العقدين حركات التحرر الوطني في الشمال الإفريقي، في تونس والمغرب والجزائر، وكان الجرح الفلسطيني في بدايات نزفه، واجتاح الشارع العربي شعور عارم بالحيف دفعه إلى تحدي القوى الاستعمارية في ظل توازن دولي أتاح المجال لهكذا تحديات.
فقد كان الشارع العربي يتحرك ويستجيب بسرعة لأي حدث في أي بلد عربي، رغم محدودية التأثير لوسائل الإعلام التي كانت متوافرة آنذاك عكس ما هو متوافر في الوقت الراهن من قدرات على النقل الفوري للحدث في أي مكان من العالم.
إلا أن هذا المد الجماهيري العربي الكبير سرعان ما بدا عليه الإنهاك وبدأ بالانحسار في سبعينات القرن المنصرم وأصبح التراجع والفشل السمة البارزة له على جبهات كثيرة. فالأطر التي نشأت المشاريع القومية في سياقاتها لم تُفرز سياسات ناجحة تسهم في دفع عجلة التطور في العالم العربي إلى الأمام.
وذلك لأنها لم تنطلق من مفاهيم وأفكار ومرجعيات فلسفية عميقة التأثير والانتماء للوعي الإنساني خاصة ما يتصل منها بالعقلانية وبتطلعات الإنسان نحو الحرية، بل أغلقت نفسها في أطر رومانسية هشة سهلة الكسر، بل معادية لحرية الإنسان. لذلك فشلت في تطوير بنيتها وتحولت إلى برامج لتسويق السياسات القمعية، بدل أن تعمل على تحويل المد الجماهيري الهائل الذي صاحب انطلاقاتها إلى قوة تغيير اجتماعي وسياسي وقيمي في المجتمعات العربية.
أما المظاهر التي يُستدل منها على ضعف الوعي العربي أو تواريه، ولا نقول اختفاءه، فيمكن أن توضع في مستويين: مستوى الحكومات ومستوى الأفراد، فعلى المستوى الأول يمكن رصد ما يلي:
1ـ فشل التجارب التوحيدية على المستوى السياسي وتراجع مشاريع التوحيد التي كانت حديث القاصي والداني قبل عدة عقود من السنين، وتراجع الفكر القومي العربي كثيراً لصالح الفكر الديني أولاً ولصالح الفكر الليبرالي ثانياً.
2ـ نزوع ملحوظ نحو القطرية في سياسات معظم الحكومات العربية، وهذه الظاهرة ليست في الحقيقة جديدة تماماً، لكنها ترسخت أكثر من ذي قبل بسبب فشل الدول العربية في إنشاء علاقات اقتصادية متينة بينها. ويمكن القول، من غير تحفظ كبير، بأن نقاط الخلافات بين هذه الدول هي، في بعض الأحيان، أكثر من نقاط الالتقاءات بينها.
ومن الطبيعي في ضوء ذلك أن نشهد تراجعاً في دور الجامعة العربية وتراجعاً في دور المنظمات أو المؤسسات العربية التي يشارك فيها أكثر من بلد عربي واحد، بل أن معظم المشاريع المشتركة بين أكثر من بلد عربي قد تعثر وانتهى بها المطاف إلى الفشل.
3ـ تباطؤ الإصلاحات السياسية في معظم الدول في العالم العربي واقتصارها، إن حصلت، على المظاهر القشرية، مما عزز من مشاعر اليأس والإحباط وساعد على زيادة معدلات هجرة العقول والخبرات إلى الخارج.
4ـ تردي التعليم الحكومي وزيادة الاتجاه نحو التعليم الخاص الذي يكرس بالدرجة الأولى نهجاً واضحاً في الابتعاد عن الثقافة المحلية لصالح القيم الغربية في السلوك والتصرف.
5ـ فشل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العالم العربي في نشر رسالة العلم والثقافة، وفشلها في إعداد جيل من العلماء والتقنيين القادرين على الإسهام في الابتكارات والفتوحات العلمية والفكرية التي تعزز شعور الفخر لدى الشباب بالانتماء إلى العالم العربي.
6ـ تراجع دور اللغة العربية في المجالات العلمية والتعليمية والتجارية والمالية والمصرفية.
7ـ ضعف أو انعدام الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في الحياة اليومية في المجتمع.
أما على المستوى الثاني فالأمر مختلف، فالعقود الأخيرة من السنين قد كشفت ظهور معالم جديدة في حياة المجتمعات العربية أضعفت عناصر التوحيد وعززت النهج الفردي، منها:
1ـ تراجع دور المثقفين في الحياة المجتمعية.
2 ـ شيوع القيم المادية في المجتمعات العربية بشكل أكثر وضوحاً عن ذي قبل، فقد أصبح الفرد يسعى للحصول على الفرص التي توفر له دخلاً أفضل حتى لو تطلب ذلك قطع بعض أو كل الصلات التي تربطه ببلده.
3 ـ تعاظم دور العولمة على مستوى العالم، وهي ظاهرة تعمل على تغييب الوعي القومي، ليس الوعي العربي فقط، من نواح عديدة لصالح وعي من نوع آخر عالمي المعالم.
4ـ اختلال التوازن الفكري والنفسي للفرد العربي واستسلامه أمام ثقافات وإنجازات الآخرين.
5 ـ ظهور ثقافة جديدة للجيل الحالي لها معالم خاصة تتطلب تمعناً ودراسة، من معالم هذه الثقافة التحول الواضح في سلوك الشباب، من القيمية إلى البراغماتية، ربما كرد فعل غير واعٍ لانهيار الأحلام الكبيرة للجيل السابق التي ترتب عليها خسارات كبيرة حصد الجيل الحالي نتائجها.
كاتب عراقي