تطورات أحداث مخيم نهر البارد في لبنان تجعلنا نستشعر بوادر «فوضى خلاقة» تمهد لتقديم عرض مكرر لما حدث ويحدث في العراق، خاصة وأن الكثير من العناصر المتشابهة متوافرة ولا ينقصها إلا جيوش الاحتلال الأجنبي التي لا نستبعد وصولها في وقت متأخر بينما يتولى الجيش اللبناني المهام مؤقتاً.
خاصة وأن الدعم العسكري الأميركي قد وصل وبسرعة مذهلة، هذا الدعم الذي كانت إسرائيل تولول وتصرخ تطلبه في حرب أكتوبر 1973 بعد عبور الجيش المصري لقناة السويس ولمدة أسبوع كامل ولم يصلها ولم ينقذها سوى وقف إطلاق النار، أما لبنان (الحبيب الغالي) على قلب واشنطن فيصله الدعم العسكري «المجهول المحتوى» بعد 72 ساعة من الأحداث.
علماً أن الحكومة اللبنانية أكدت أنها لم تطلب هذا الدعم وأن لا حاجة للجيش اللبناني به، لكنهم عادوا بعد وصول الطائرات الأميركية محملة بالدعم يقولون «إنها أشياء متفق عليها مع واشنطن منذ عدة شهور»، المهم أن الدعم وصل وبسرعة وبدون حاجة لموافقة أية جهة في واشنطن، وكأن الطائرات كانت محملة بالدعم منذ أيام وتنتظر فقط الأوامر بالإقلاع، ولم يعلن بعد عن تفاصيل هذا الدعم.
الأحداث مستمرة والاشتباكات متقطعة لكنها أيضاً مستمرة بين الجيش اللبناني والطرف الآخر المسمى «فتح الإسلام» والذي تضاربت الأقاويل حوله كثيراً خلال الأيام القليلة الماضية ولم تعرف بعد بالتحديد ما هي هويته وما هي الجهات التي تقف وراءه وتستخدمه، ومازال البعض يتهم سوريا بهدف تفجير الأوضاع لتفادي المحكمة الدولية، بينما جنح البعض الآخر بعيداً ليتهم جهات سعودية بهدف خلق قوة سنية في مواجهة المقاومة الشيعية، وطرف آخر يقر بأنها عناصر فلسطينية ولدتها مأساة الشعب الفلسطيني في المخيمات.
وعلى ما يبدو أننا سنسمع أشياء أخرى كثيرة، وهو تكرار لما حدث في العراق منذ عام 2003 من إطلاق هويات وانتماءات كثيرة على الميليشيات المسلحة هناك التي تنشر القتل والرعب بين مختلف طوائف الشعب العراقي، إلى أن جاءنا الخبر اليقين وبشهادة من أهلها وفقاً للتقارير الواردة من واشنطن بأنها كتائب من جنود المرتزقة الذين جلبهم الأميركيون والبريطانيون للعراق والذين زاد عددهم على 120 ألف من مختلف جنسيات ودول العالم.
حصيلة الأيام الأولى في أحداث نهر البارد بلغت 80 قتيلاً معظمهم من الجيش اللبناني وأفراد مما يسمى «فتح الإسلام» مازالوا مجهولي الهوية وإن قيل ان منهم أفغاناً ويمنيين وسعوديين وغيرهم، وإن كان هذا لا يمنع وجود عناصر فلسطينية بينهم، ولكن هذا لا يعني أن وراءها تنظيمات فلسطينية.
والمتابع لروايات النازحين من مخيم نهر البارد، والتي أوردتها وكالات الأنباء العالمية يوم السبت 26 مايو سيتأكد من أن المخطط قائم ومعد له من قبل جهات أجنبية خارج الدائرة الفلسطينية والعربية كلها، ومن أهم ما ورد في هذه الروايات على لسان سكان المخيم أن عناصر ما يسمى «فتح الإسلام» ظهرت منذ نحو ستة أشهر في المخيم ولم تكن مقيمة فيه، وأنهم غرباء من ذوي اللحى الطويلة والجلابيب القصيرة.
ويحملون أسلحة غير متعارف عليها وسط المخيمات الفلسطينية، وأنهم أغنياء اشتروا منازل متجاورة بأسعار مغرية من أصحابها في شمال المخيم وانعزلوا فيها عن باقي سكان المخيم مع نسائهم المنقبات وأطفالهم الذين لم يندمجوا مع أطفال المخيم ولم يذهبوا للمدارس معهم، وأنهم يتجولون بدراجاتهم النارية الغريبة في المخيم ويخرجون منه ويدخلون إليه من المداخل الرئيسية منذ شهور وعلى مرأى ومسمع من أفراد الجيش اللبناني الذي لم يستوقفهم ولا مرة واحدة!!!.
غموض كبير لم يمنع الكثير من التخمينات والتصريحات والاتهامات العشوائية، وأسئلة كثيرة تثير الخوف والقلق من المجهول القادم إلى لبنان في الأيام المقبلة، وبوادر فوضى «خلاقة» لأوضاع جديدة فشلت كل المساعي والمخططات السابقة في إيجادها منذ اغتيال الحريري وحتى الآن، عناصر غريبة دخلت الجسد اللبناني المريض والمتهالك من الصراعات السياسية الطويلة، وعمليات قتل عشوائية لأفراد لمجرد الاشتباه.
ودعم عسكري أميركي سريع لجيش كبير قوامه أكثر من سبعين ألفاً أمام مجموعة من الأفراد المجهولي الهوية لا تزيد حسب الروايات على مئتي فرد نسبت إليهم الهوية السنية بدون أي سند أو دليل اللهم إلا لهدف معروف مسبقاً وهو التمهيد لصدام قادم مع المقاومة الشيعية في الجنوب، وربما هذا هو السبب وراء عدم اتهام إيران بشيء حتى الآن، وإن كان دورها قادماً لا محالة، وكل ما يدور حتى الآن يجعلنا نستشعر ونشم رائحة فوضى خلاقة وسيناريو عراقياً جديداً في لبنان لا يعلم مداه ومنتهاه إلا الله.