من منا لا يتذكر ابنة المديرة، أو ابن المدير، في المدرسة التي كان يدرس فيها سواء في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو حتى الثانوية. سأتحدث عن ابنة المديرة كنموذج للشخصيات الموازية لها، كابن المدير على سبيل المثال، تجنبا لتكرار حرف (أو) العاطف وما بعده.

ليس من السهل نسيان شخصية مثل شخصية ابنة المديرة، لأن هذه الشخصية تكون حاضرة على مدار اليوم الدراسي، وعلى مدار الأسبوع، وهذا يعني حضورها على مدار السنة الدراسية. هي دائما الأولى، وهي دائما النموذج المثالي لكل ما يُطلب من الطلاب والطالبات، وهي الذكية اللماحة النشيطة النظيفة، وهي الشخصية المناسبة للمكان المناسب، أيًّا كان هذا المكان.

وليس من السهل أيضاً نسيان ثلة المعلمات المحيطة بمبنى الإدارة، المترقبات للفرص المناسبة للدخول على المديرة، والثناء على مهارات الابنة المتفوقة المجتهدة، واقتراح أنشطة أخرى لوحظ أن هذه الابنة المتميزة توليها اهتماما خاصا. ابنة المديرة شخصية حاضرة في ذاكرة معظم الطالبات، كما يحضر ابن المدير في ذاكرة معظم الطلاب لأنها دائما محور المكان وشخصياته وأحداثه، وسأذكر مثالا شاهدته بعيني مؤخرا، حين كنت في إحدى رياض الأطفال لحضور حفل تخريج ابنة أخي في هذه المرحلة.

لقد كان اسم إحدى الطالبات يتكرر على نحو لافت، منذ بداية الاحتفال، إذ بُدئ أولا بتكريم الطلبة والطالبات المشاركين والمشاركات في الأنشطة اللاصفية، فكانت هذه الطالبة مشاركة في كل الأنشطة، ومستحقة لجائزة من كل الجوائز الموجودة على الطاولة للمتميزين في الأنشطة المختلفة! ليست هذه هي الإشكالية الحقيقية؛ فقد تكون الطالبة متفوقة بالفعل، ومجتهدة، ونشيطة، لكن المشكلة هي أننا نعلم علم اليقين أن كل ذلك كان من نصيبها لأنها ابنة المديرة، وهو ما اكتشفته لاحقا.

قد يقول قائل إنه لا يوجد ما يمنع من أن تكون ابنة المديرة متفوقة بالفعل ونشيطة، ولكن السؤال الآن هو: ألا يوجد أطفال آخرون في الروضة غير ابنة المديرة كي تشترك هي في كل الأنشطة، في حين لا يشترك أطفال آخرون في أي نشاط من الأنشطة، وبالتالي لم يأخذوا ذلك الكم الهائل من الهدايا التي حصلت عليها ابنة المديرة، دون أن يفهموا لماذا تُوجّه كل تلك الهدايا إلى هذه الفتاة التي تشبههم في الشكل، وفي الملابس، وتجلس معهم في الصفوف ذاتها، وتردد معهم الأناشيد ذاتها!.

إنهم لا يستطيعون أن يفهموا السبب الذي يجعلها تأخذ كل تلك الهدايا التي ناءت بحملها واستعانت ببعض المدرسات أو العاملات في الروضة ليحملوها عنها، وعادت هي لتجلس مع أقرانها بمشية تجعلها تبدو وكأنها تطير من شدة الفرح، وقد كنتُ فَرِحَةً لفرحها، لكني كنتُ حزينةً أيضاً لحزن بقية الأطفال، خصوصا الذين لم يحصلوا سوى على هدية التخرج، ولم يحصلوا على هدايا أخرى لعدم اشتراكهم في أي نشاط من الأنشطة اللاصفية.

لقد رأيت الحزن بعيني قابعا في عيون كثيرة، كانت تدور حولها باحثة عن جواب ـ ربما في وجوه أمهاتها، أو مدرساتها، ولا تجد ـ على سؤال جوهري هو: لماذا تحصل بنت واحدة على كل تلك الهدايا، ويتكرر نداء اسمها عدة مرات تنهض في كل مرة بفرح غامر من مقعدها بين بقية الأطفال لتتناول هديتها وتذهب راكضة لتعطيها لإحداهن لتحملها حتى نهاية الاحتفال في حين لا يحصل معظم الأطفال إلا على هدية واحدة، ولا يُنادى على اسمه إلا مرة واحدة؟

أعرف فتاة عوملت منذ دخلت المدرسة الابتدائية حتى أنهت الثانوية العامة على أنها مبدعة فذة، وحيدة زمانها، لا يشبهها أحد من أقرانها، وكانت لا تأخذ إلا درجة كاملة أو شبه كاملة، فتشكل عندها يقين حقيقي بأنها فتاة تقترب من حدود العبقرية، لأنها لا تجد أحدا غيرها يأخذ هذه الدرجات على مستوى صفوف المدرسة كلها التي يمتلكها والدها وتديرها أمها! ولكن كانت صدمة هذه الفتاة الحقيقية حين دخلت الجامعة، ووجدت أنها تأخذ أقل من درجاتها التي اعتادت عليها طوال اثنتي عشرة سنة بكثير.

وشعرت بأنها مظلومة في هذا المكان، وأن عبقريتها مهددة إن لم يلتفت إليها أحد. لم تربط هذه الفتاة إطلاقا بين كونها ابنة مديرة المدرسة ومالكها، وبين تلك الدرجات التي كانت تكال لها بالمجانّ، ولولا أنها تملك شيئا من عقل لما استطاعت تجاوز تلك الأزمة التي عاشتها حتى استوعبت حقيقة وضعها، وأنها ضحية نفاق أحاط بها إحاطة السوار بالمعصم لمدة اثنتي عشرة سنة.

هذه النماذج موجودة بكثرة في مجتمعاتنا، ولا أشعر أنني إن عممت الحكم في هذا الموضوع سأجانب الصواب، ولكنني سأتجنب التعميم لا عن قناعة، إنما تحسبا لوجود حالة شاذة، وأقول شاذة بمعنى أنها شاذة عما تسير عليه الجماعة عندنا، لكن وضع الجماعة عندنا بميزان العقل والأخلاق هو الشاذ، والأصل هو عكس ما يحدث في رياض أطفالنا ومدارسنا.

المثير في الأمر هو أن فيل (سعد الله ونوس) في مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) كان حاضرا في ذهني بإلحاح طوال وقت الاحتفال، ولم أتبين السبب بوضوح في البداية، ولكني كنت أرى تلك الطفلة البريئة فيلا ـ دون أن يكون لها ذنب في هذا ـ حتى أدركت بعد مضيّ قليل من الوقت، وتجاوز الاحتفاء بابنة المديرة كل حد، أن حضور الفيل كان نتيجة طبيعية لطغيان جو النفاق في المكان، وفَيَحان رائحته بشكل يبعث على التقزز.

إن هذه الأجواء تساعد في تعزيز صفة النفاق في نفوسنا، لأننا نحشر العلاقات الشخصية في فضاءات العمل، دون أن نقف عند حدود معينة، بمساعدة وموافقة هذه المديرة التي تجد أن ابنتها تستحوذ على اهتمام معظم المدرسات إن لم يكن جميعهن، على حساب بقية الأطفال، فتوافق على ذلك كي ترى أشعة الفرح تتقافز من عيني ابنتها، ولا يهمها ما الذي يفعله كل ذلك في نفوس مئات من الأطفال موجودين معهم في المكان نفسه.

وهذه الصورة التي أنقلها عن أجواء معينة شاهدتها بنفسي في إحدى رياض الأطفال بالدولة تمثل نموذجا مصغرا لحياتنا الاجتماعية العامة، في علاقات العمل المختلفة، وفي كثير من علاقاتنا العائلية، إذ يكون رب العمل، أو صاحبه، أو صاحب السلطة فيه مثل المديرة في الروضة أو في المدرسة.

وجميع أفكاره وآرائه وأوامره كابنة المديرة، والأشخاص المحيطون به بشكل مباشر كالمدرسات المتحلقات حول المديرة في يوم الاحتفال بما يعكس تحلقهم حولها وتملقهم إياها على طول السنة الدراسية، واهتمام المدرسات بابنة المديرة، وتمييزهن لها عن غيرها من الأطفال، وإعطائها حجما أكبر من حجمها الحقيقي، وإظهارها بصورة غير صورتها الحقيقية يشبه اهتمام أولئك الموظفين بأفكار المدير أو صاحب العمل، وإظهارها في حجم غير حجمها الحقيقي، حتى تبدو وكأنها وحي منزل.

أعتقد أننا نتغذى منذ نعومة أظفارنا على أجواء النفاق، نراها ونحن صغار جدا.. تؤذينا ـ لأننا ضحاياها ـ دون أن نستطيع فهمها واستيعابها، ولكننا نكبر ويكبر معنا فهمنا، ونبدأ في التبرير لها أولا أمام أنفسنا في محاولة لتقبل الأمر الواقع، ونسمح بكثير من الظلم الذي نشعر به من قِبَل المتحلقين والمتحلقات، والمتملقين والمتملقات، دون ذنب ارتكبناه.

ونقول «لأنها ابنة المديرة»، ثم نكبر أكثر، ونبدأ في ممارسة النفاق ذاته، كي نهرب من سياط الظلم التي ألهبت نفوسنا سنوات عدة، فنتقرب لابنة المديرة، لأنها هي التي تستطيع أن تأتي لنا بالاستثناءات، أو الامتيازات، وتكون صديقة ابنة المديرة ابنةً أخرى للمديرة بعد حين من الزمن، لها كثير من الصلاحيات والامتيازات التي تستأثر بها ابنة المديرة منذ طفولتها حتى تنهي آخر سنة في المدرسة، وعلى هذا الطريق تمضي أيامنا المدرسية، وعليه نفسه تمضي أيامنا الوظيفية.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com