هي مقولة سياسية قاسية أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق كارتر وما لبث أن تحوّل بها مذيع السهرة الشهير «جاي لينو» إلى نكتة تناقلتها المجالس والصالونات ما بين واشنطن ـ السياسة إلى هوليوود ـ السينما والتلفزيون.

في تصريحات أدلى بها مؤخرا لم يتورع الرئيس كارتر عن وصف إدارة الرئيس بوش بأنها «أسوأ إدارة في.. التاريخ» وسرعان ما ردت ميديا الإعلام في البيت الأبيض وهذا طبيعي بما معناه أن السيد كارتر لم يعد شخصية يؤبه بها أو لم يعد لتصريحاته «المؤسفة» أو أحكامه أي حساب أو اعتبار.

لكن مذيع البرنامج الليلي الكوميدي طالع مشاهديه بقوله: إن الرئيس كارتر كان مخطئا في أحكامه لأن السيد بوش لم يكن الأسوأ في التاريخ بل كان الأسوأ أيضاً في الجغرافيا والرياضيات وفي دروس.. أخرى، وهو ما أثار ضحكات مدوية من جماهير الحاضرين في هذا البرنامج الذي يذاع قرب منتصف الليل على مدى 5 أيام من الأسبوع.

وربما عمد مراقبو المشهد السياسي في عواصم أميركا إلى إضافة هذه الضحكات الساخرة.. فضلا عن عبارات الرئيس كارتر سابقة الذكر.. إلى مفردات المنظور الذي باتوا يطلون من خلاله على ما آلت إليه أحوال الإدارة الراهنة في الولايات المتحدة بكل مسؤولياتها التي لا بد وأن تضطلع بها تجاه مشاكل عالمنا وقضاياه. بدأت المسألة مع تدهور الأوضاع في العراق إلى حد «الفتنمة».

كما يقال وبذلك قلّت ثم انخفضت ومن ثم تدهورت شعبية الرئيس بوش إلى ما دون نسبة الثلاثين في المئة في استطلاعات الرأي العام.. وعليه فقد أصبح هناك من يصور هذه الإدارة الأميركية وكأنها أشبه بسفينة في حال من الجنوح ويهددها مصير الغرق وسط محيط متلاطم من المشاكل المتفاقمة والملابسات التي تزداد تعقيدا مع مطلع كل صباح.

وفيما كانت شعبية الرئاسة قد بلغت ذروة غير مسبوقة في أعقاب حادثة 11 سبتمبر، فكأنما جاءت تلك المأساة بردا وسلاما على أفئدة وسلوكيات فصائل المحافظين الجدد الذين شرعوا بعدها أسلحتهم العقائدية وكشروا عن أنياب التربص بأوضاع العالم وكأنهم أصروا على تغيير خارطته وتبديل أوضاعه في غمار شعار الفوضى الخلاّقة(!) الذين ابتدعوه ـ بمعنى تحطيم الوضع القائم لصالح إبداع (أو اصطناع) أوضاع يرونها أفضل وأجدر بالبقاء.

هكذا أعلنوا حربهم على ما وصفوه بأنه ظاهرة «الإرهاب الدولي». وبديهي ألا يعترض أحد على التصدي للإرهاب أيا كان موقعه أو دوافعه أو نوعية مرتكبيه. لكن حرب المحافظين الجدد تم إعلانها على «إرهاب» لم يجدوا له تعريفا (ولا توصلت الأمم المتحدة إلى مثل هذا التعريف الجامع المانع حتى كتابة هذه السطور) ـ وعندما كان يعوزهم التعريف كانت الإشارات تلمح وأحيانا لا تتورع عن أن تصّرح بأن المقصود هو عالم الإسلام وجماعة المسلمين!

وعندما كان الناصحون أو المتعقلون يسدون إليهم المشورة كانت الميديا تتحدث عن إسلام «متطرف» وإسلام «معتدل». وفي ظل هذه الشعارات بكل تعميمها شنوا حربا على أفغانستان ثم على العراق وجاءت حروبا ثأرية أحيانا وغير مبررة أحيانا.. وتشوبها أطماع أو أجندات تدعو إلى مزيد من التشكيك في كثير من الأحيان.

وهكذا فعندما بدأ المحللون السياسيون يحسبون حسبة المحافظين الجدد في واشنطن جاءت المحصلة في غير صالح هذه الفئة من الساسة والعقائديين والدعاة والمفكرين الذين ظلوا يتربصون بالمشهد السياسي الأميركي عبر العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة ويتهيأون لاستلام مقاليد الحكم في أكبر دولة بالعالم كي يطبقوا معتقداتهم التي قامت على أسس تكرس النظرة الاستعلائية على سائر الشعوب، وتتنافى مع روح التعاون والتعاطف الإنساني.

وتعتمد الصراع محورا تدور عليه حياة البشر، وهو ما جسدته نظرية تصارع/ تصادم الحضارات والثقافات التي طلع بها مع أوائل التسعينات ـ مفكرهم صمويل هنتنغتون حيث ركز بالذات على الصراع بين حضارة الغرب (أميركا وأوروبا) وبين عالم الإسلام والمسلمين.

محصلة حسابات هؤلاء المحافظين تقول بأن مشاكلهم بدأت في الفترات الأخيرة باستبعاد عناصر معتدلة أو معقولة في الفكر وفي السلوك مثل الجنرال باول وزير الخارجية الأميركي السابق، وبعدها شرعت عناصر شتى تحاول الهرب من السفينة الموشكة على الغرق.. بعضها استقال وبعضها أقالوه ـ البعض ابتعد والبعض أبعدوه..

وجاء هذا كله وسط سلسلة بالغة السلبية من الأخطاء والانحرافات وسلوكيات الفساد واستغلال المنصب العام.. من هنا بدأت تتفكك أواصر جماعة المحافظين .

صقورهم في وزارة الدفاع على وجه الخصوص: أبعدوا ريتشارد بيرل وكان يحمل صفة «أمير الظلام» وكان مسؤولا عن التخطيط الاستراتيجي في البنتاجون، وجاء الإبعاد وسط شكوك في ذمته المالية.. بعدها جاءت استقالة تينيت مدير المخابرات الذي كان حليفا لهم دون أن يكون عضوا في زمرتهم، إلى أن جاءت الاستقالة المدوية لوزير الدفاع نفسه رامسفيلد بكل وزنه في أوساط المحافظين.. وبصرف النظر عن أي تبريرات أو تكييفات أو تزويقات إعلامية، فاستقالة رجل البنتاجون الأول كانت آية على فشل عملية العراق في الأساس..

وأخيرا جاءت الملابسات المشينة أخلاقيا ومناقبيا التي واكبت حكاية صقر الصقور وهو السيد بول ولفوويتز الذي تنسب إليه المراجع العليمة ببواطن الأمور (الكاتب المطلع بوب ودوارد بالذات في أكثر من كتاب أصدره في السنوات الخمس الأخيرة) مجمل عمليات لضرب العراق وكل الخيوط التي تشابكت لتحكي قصة ثبت اختلاقها من الأساس وهي قصة أسلحة الدمار الشامل التي نسبوا ملكيتها إلى بغداد.

كان ولفوويتز نائبا لوزير الدفاع، وربما كان صاحب الكلمة الأولى في التخطيط للمجهود الحربي الأميركي إلى بلاد الرافدين التي ما برحت تنزف من دماء مواطنيها مع مطلع كل صباح، وكان قد تخرج في هارفارد حاصلا على الدكتوراه في علوم الرياضيات بعد أن تتلمذ على يد من لقنوه أسس عقيدة المحافظين الجدد وفي مقدمتهم البروفيسور شتراوس أستاذ الحضارة اليونانية اليهودي المهاجر من ألمانيا إلى أميركا.. ومن عجب أن يفشل تخطيط ولفوويتز ومساعديه في تبرير حرب العراق، فإذا به يتلقى «المكافأة» بتعيينه رئيسا للبنك الدولي.

وكان الرئيس بوش يمارس بهذا التعيين ميزة تستند إلى أحد الأعراف المعمول بها في تلك المؤسسة المالية الدولية العتيدة حيث درجت أميركا على مدار 51 سنة بدأت مع تأسيس البنك الدولي عام 1946 على أن تختص بتعيين رئيس البنك بمعرفتها وطبعا من أبناء جنسيتها حيث جاء ترتيب السيد ولفوويتزالتاسع.

وحيث كان أشهرهم بالنسبة للأميركان هو «مكنمارا» وزير الدفاع خلال ورطة أخرى هي فيتنام، وكان أشهرهم بالنسبة لتاريخنا السياسي في الوطن العربي هو «يوجين بلاك» الذي فاوض عبد الناصر ورفض تمويل مشروع السد العالي العملاق وترددت سلوكياته هذه في أغاني تلك المرحلة من عنفوان الطموح العربي.. بل كانت الإشارة إليه بالذات تحت مسمى «دي لسبس» هي كلمة السر التي رددها الزعيم عبد الناصر 13 مرة في خطاب تأميم قناة السويس (يوليه 1956) وإيذانا بتنفيذ أوامره باقتحام مقر الشركة الفرنسية وبدء عملية التأميم.

نستطيع أن نقول إن أوساط واشنطن بدأت بالتعامل مع استقالة أو إبعاد ولفوويتز عن رئاسة البنك الدولي على أنها هزيمة للرئيس بوش.. وبعد اليأس في اتقاء الاستقالة.. لم تتورع هذه الأوساط عن التضحية بالرجل بعد أن اتهمته بأنه أدى إلى خطر يلحق بتراث وأعراف البنك في اختيار مرشح أميركي لرئاسته (مقال كولبرت كنج وكان ممثلا للحكومة الأميركية في مجلس إدارة البنك الدولي في الواشنطن بوست ـ 3 مايو) وبعدها لم تقتصر النيويورك تايمز على التنديد بسلوك ولفوويتز المشين في التحيز والمحاباة بل عمدت إلى التنديد بمن اختاره لهذا المنصب الحيوي الرفيع.

وجاء التلميح هنا إلى قيادة البيت الأبيض بالذات ودعت الصحيفة الكبرى الرئيس بوش إلى أن «يدقق أكثر في الاختيار هذه المرة ـ حيث ينتقي مرشحا يعيد الثقة ويرفع المعنويات من موظفي البنك ويتبع أجندة من شأنها محاربة المحسوبية والفساد».

كاتب مصري