لو أن راقصة احتاجت إلى نفقات علاج لرأيت مئات الأثرياء يتقاطرون.. كل يحاول الفوز بشرف الوقوف إلى جوارها في محنتها، لكن الأمر مختلف حين يكون ذلك المريض مفكرا.. ومختلف أكثر وأكثر حين يكون المفكر هو الدكتور عبدالوهاب المسيري.
المسيري رجل في غنى عن أي تعريف، فموسوعة اليهود والصهيونية وحدها كفيلة بإظهار فضله على الفكر العربي، هو واحد من حملة شعلة الحضارة القلائل، الذين حافظوا على جذوتها متقدة في هذا الوطن رغم التردي الذي نعيشه.. ولا أعرف على وجه اليقين كيف يكون شعوره - بعد عمر طويل أفناه في خدمة العالم العربي - حين لا يجد حكومته المصرية تبادر لتحمل نفقات علاجه، وتكفيه عنت سؤال أحد أن يساعده أو يقف إلى جانبه في محنته.
تتلخص حالة المسيري الذي بدأ رحلة علاجية السبت الماضي إلى أميركا في إصابته بمرض سرطان الدم، حيث طلب منه الأطباء زرع نخاع في عام 2001، ووقتها تقدم بطلب كي تتحمل الدولة نفقات علاجه، لكنه فوجئ بدولة قاسية القلب، ظلت تماطل، وأخذ الرجل يحاول استدانة مبلغ يكفي لتغطية تكاليف العملية، وحينها نشر كاتب سعودي مقالا، تلقى المسيري على إثره اتصالا من مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد، يعرضون عليه التكفل بمصاريف العلاج، وسافر فعلا في رحلة علاجية تكلفت وقتها 300 ألف دولار.
هذه المرة قرر له الأطباء برنامجا علاجيا عبارة عن 24 حقنة تكلفتها نحو 50 ألف دولار، وقد يحتاج إلى تكراره. وتقدم الرجل كالمرة السابقة بطلب للحكومة بتحمل نفقات علاجه، ولم يتلق ردا وهو يخشى من إبلاغه بالموافقة على علاجه ثم لا يرسلون إليه النقود كما حدث مع مرضى آخرين من قبل، كذلك اتصل بمكتب الأمير السعودي ولم يتلق ردا، علما بأنه يمر بظروف صحية حرجة نتيجة توقفه عن متابعة العلاج الذي وصفه له الأطباء قبل عدة سنوات بسبب تكاليفه العالية التي لا يستطيع تحملها.
بمرارة يقول المسيري: «ليس لدي أدنى أمل في أن يتخذ النظام المصري قرارا بتحمل نفقات علاجي.. لأن النظام لا يهمه ما أعطيته لوطني، ولا أعتبر الأمر تعنتا تجاه شخصي بل جزءا من التآكل الذي حدث لمصر».ويروي المسيري بعزة نفس تليق به قائلا: «لست فقيراً ولا معدماً ولكن تكلفة العلاج ستؤثر على أدائي العلمي فعندي مكتب به باحثون يتقاضون رواتب، ولدينا مشروعات بحثية منها موسوعة جديدة عن اليهود والصهيونية، وكتاب عن إسرائيل وآخر عن اللوبي الصهيوني، وثالث عن الأشعار الرومانتيكية الإنجليزية».
ومن المحزن ألا تستطيع الهيئات الثقافية والعلمية والنقابات المهنية في مصر تغطية تكاليف علاج نابغة مصري كالدكتور المسيري، كما يحز في النفس أن الدولة التي تتسامح مع إهدار المليارات تعتبر أن إنفاق مئة ألف دولار من أجل إنقاذ حياة أحد أبرز علمائها ومفكريها نوعا من التبذير الذي يجب ألا تفعله.
وإذا كانت مصر غير مقدرة لجهد المسيري الفكري والبحثي على مدى عقود وتعتبره ليس من المادحين للسلطة، ومن ثم فإنها لا ينبغي أن تقف إلى جواره في محنته، فهل الهيئات العربية الثقافية والبحثية والشخصيات العربية التي عرف عنها العطاء السخي تقف نفس الموقف من الرجل، ألم يدع مئات الكتاب إلى عودة العقول العربية المهاجرة لإنقاذ أوطانهم من الجفاف العلمي والفكري والثقافي، وكيف تستقيم دعوات العودة ودولنا لا تستطيع إنقاذ حياة واحد من أهم نوابغها، وتوفير ما توفره مظلة التأمين الصحي في بلد متحضر لأي شخص عادي من أبنائها.
أليس من المخزي أن نترك الدكتور المسيري يستجدي أو يقترض نفقات علاجه ؟ سؤال يمنع الإنسان من النوم.. وإذا كان ذلك يحدث مع الرجل وهو علامة زمانه وواضع واحدة من أهم الموسوعات في القرن العشرين كما تجمع كل المصادر العلمية؟ فكيف بواحد من غمار الكتاب أو المفكرين أو الباحثين، أليس عطاء الإنسان لبلد يقف إلى جواره في محنته أو شيخوخته أجدى من أن يبذل عمره راضيا مدركا أنه يضيع هباء في الصحراوات العربية؟