زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني للمنطقة... وزيارة الرئيس الإيراني جاءت مباشرة بعد مغادرة الأخير.. ثم الأساطيل الأميركية بعدتها وعتادها تدخل الخليج العربي بعد مغادرة الرئيس الإيراني مباشرة. وهذه الأساطيل لم تأت بالتأكيد للاستجمام على شواطئ الخليج التي لوثتها سفنهم الحربية منذ غزو الكويت وفي فصل الصيف الذي تصل درجة حرارته إلى أكثر من 50 درجة مئوية.
ونحن لم نقرأ قط أن الولايات المتحدة الأميركية جاءت إلى بلد من بلدان العالم للسياحة أو للاستجمام؛ فإما للحرب أو الاحتلال. ويبدو أن الرئيس الإيراني يؤمن في داخله بأنه سواء حدثت الفاجعة أم لم تحدث فإن إيران ستخرج منتصرة من أي حرب يشنها أعداء الجمهورية الإسلامية عليها. فما زال يهدد بفناء إسرائيل والقضاء عليها ويتوعد بهزيمة الولايات المتحدة الأميركية.
وبعد أيام تعلن إيران بأنها قبضت على مجموعة من الإيرانيين من حاملي الجنسية الأميركية بتهمة الإعداد لقلب النظام في إيران بتمويل من الولايات المتحدة. في الوقت ذاته، ويوم الخميس الماضي وافق الكونغرس الأميركي على مشروع قانون يتضمن تمويلاً بقيمة 120 مليار دولار، لدعم عمليات الجيش الأميركي بالعراق وأفغانستان (وربما لأمر آخر أيضاً)، حتى سبتمبر المقبل، دون ربط هذا التمويل بإعلان إدارة الرئيس جورج بوش، جدولاً زمنياً لسحب القوات الأميركية من العراق.
جاء التصويت على مشروع القانون بعد قليل من إعلان الرئيس بوش أن الصيف المقبل سيكون «ساخناً على القوات الأميركية بالعراق». وهذا التمويه واضح جداً أيضاً. فربما قصد بأنه سيكون ساخناً جداً على قواته على سواحل إيران على الخليج وحدودها الشمالية ومضيق هرمز.
ولا يتصور أحد أن يمرر الديمقراطيون (بعد ما سمعناه من معارضتهم له وطلبهم وضع جدول زمني للانسحاب من العراق) هذا التمويل لو لم يكونوا قد أحيطوا علماً بخطة المغامرة الأميركية الجديدة في المنطقة والتي لا رجعة فيها لضمان مصالح الشعب الأميركي ولو على حساب حياة الشعوب الأخرى، فالعولمة بالمفهوم الجديد هي تأمين مصالح الولايات المتحدة أينما كانت مهما كلف الثمن.
وربما فهم الديمقراطيون أخيراً أن مغامرات الرئيس بوش ومغامرات الرؤساء الآخرين قبله لم تكن سوى تنفيذ لخطط معدة مسبقاً، رسمت خطوطها عدة جهات لها مصالح متشابكة ومعقدة خاصة وعامة منها البيت الأبيض وجهاز المخابرات والموساد واللوبي الصهيوني والبنتاغون ووزارة الاقتصاد والمالية والنفط ورجال الأعمال والشركات الكبرى وغيرها.
ولا يجوز بالتالي التهور بالمطالبة بوقف حروبها (الاستباقية) أو بالأحرى (الاستراتيجية) بحماس أم تخاف على أطفالها الصغار! ويبدو أن الديمقراطيين وعلى رأسهم الأم نانسي بيلوسي والذين تغيبوا عن إدارة السياسة الأميركية الخارجية والعسكرية لفترة طويلة من الزمن (حيث كان آخر رئيس لهم هو بيل كلينتون الذي انتهت ولايته في 2000 ـ وآخر سيطرة لهم على الكونغرس انتهت في سنة 1994) لم يعوا بعد اللعبة أو ربما كان تبجحهم الإنساني لغرض الدعاية فقط.
لكنهم بدأوا ينظرون للأمور بطريقة أخرى بعد أن عادوا لاحتلال الكونغرس على صهوة شعارهم (الحمار) وتبنيهم موقف أكثر من 70% من الشعب الأميركي فيما يتعلق بخروج قواتهم من العراق. لكن نادراً ما تتغلب القيم على المصلحة.
وخاصة عندما يتعلق الأمر بمصلحة الأمة بأكملها. والصورة الأخيرة التي نشرتها وسائل الإعلام وفيها ينهض بوش ليصافح نانسي بيلوسي بحرارة شديدة وبنظرات تدل على الامتنان الكبير لها لعودة الابن الضال إلى الطريق الصحيح، تدل على أن هناك أمراً وشيكاً في طريقة للحدوث.
وحيث أن أحداث العراق قديمة ومساعدات الولايات المتحدة للسنيورة للقضاء على «فتح الإسلام» لا تشكل أمراً ذا أهمية، فإن الاستعدادات مستمرة على قدم وساق للترتيب للضربة الـ (استباقية) المقبلة. إن إيران أخذت تشكل منذ زمن سقوط الشاه شوكة حادة في حلق الولايات المتحدة في المنطقة ويجب استخراجها حتى ولو كلفت هذه العملية الجراحية تدمير مساحة جغرافية على شكل دائرة تدخل فيها إيران والمنطقة بأكملها وحتى ولو قضت على مئات الآلاف من البشر الأبرياء.
غير أن الولايات المتحدة لا تعرف الرحمة أمام مصالحها المهددة. وإن ردع إيران عن عرقلة خططها في العراق ولبنان وفلسطين لن يتأتى سوى بضربة قاضية قاصمة تقلب إيران رأساً على عقب، وإن قلب النظام في إيران لن يتم إلا بالقوة العسكرية المباشرة لصعوبة تحقيق ذلك بالمؤامرة الداخلية. ولم نعلم في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية أسلوباً آخر في التعامل مع القضايا الخطرة سوى بالآلة العسكرية.
كما أن الكثيرين يخطئون في اعتقادهم بأن الولايات المتحدة تنتظر النجاح في حروبها وحملاتها وغزواتها العسكرية. ويبدو أن الولايات المتحدة لا يهمها إحراز النصر ولا يردها توقع الهزيمة بقدر ما يهمها تحويل البناء إلى ركام والعدو إلى جثث مقطعة أشلاء والبنية التحتية إلى خراب، تماماً كما فعلت إسرائيل في لبنان. فإسرائيل هزمت في المعركة ولكنها نجحت في تمزيق لبنان شر ممزق.
وها نحن نكتشف أن حرب الولايات المتحدة الأميركية في العراق قد فشلت ومع هذا هي مستمرة في حربها الخاسرة تلك ولم تقر بعد بهزيمتها ولم تعلن نية انسحابها ما دام النفط العراقي يصب ليل نهار في صهاريج التخزين المخبأة تحت الأرض في الولايات المتحدة الأميركية، حتى ولو قتل كل الجنود الأميركيين هناك.
إن أميركا تعلم حق اليقين بأنها إن هاجمت إيران لن تربح الحرب، لكنها ستربح المنطقة بأكملها. حتى بافتراض أن إيران سوف تنفذ تهديداتها بضرب المصالح الأميركية في المنطقة، فإن ما ستفعله إيران سيكون في حدود محصورة جداً لن يتضرر منها سوى سكان المنطقة ـ بعد هروب الأجانب منها بالطبع كما حدث أثناء غزو الكويت ـ مما سيعزز الوجود الأميركي في المنطقة بشكل أكبر بحجة أن إيران تهدد أمن العالم.
إن كل يوم يمر دون توجيه ضربة حاسمة وقاصمة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية برئاسة محمود أحمدي نجاد العدو اللدود لإسرائيل وللولايات المتحدة يعني تطويراً أكبر لإمكانياتها النووية وصعوبة أشد في توجيه هذه الضربة لاحقاً. ولا خيار آخر طبقاً لحسابات الولايات المتحدة الأميركية سوى إجهاض المشروع الإيراني وهو في حالة تكونه.
إن إسقاط نظام نجاد ليس الهدف منه بالطبع (تماماً كما كان الهدف من إسقاط نظام صدام) ردعها عن تخصيب اليورانيوم وتطوير صناعة القنبلة النووية، بقدر ما هو احتلال إضافي لمنابع النفط في المنطقة حيث تشكل إيران ثاني أكبر مخزون للغاز وثالث مخزون للنفط في العالم!
فهل تجعل أميركا تضيع هذه الكعكة الشهية من بين يديها وهي على بعد كيلومترات فقط من جيوشها المتمركزة في العراق، بحجة الخوف من شخصية رجل هزيل البنية وبسيط كنجاد؟ وماذا يعني لو هدمت إيران وحضارتها على رأس أهلها كما فعل بالعراق لعيون سعادة الشعب الأميركي إلى خمسين سنة مقبلة؟
كل الدلائل تشير إلى الانفجار القادم. وكل الدلائل تشير إلى أن ضرب برجي التجارة في نيويورك وإسقاط طالبان في أفغانستان وصدام في العراق ومحاولة إسقاط نصر الله في لبنان (مشروع معلق) والآن إسقاط نجاد كلها مسائل تسير في خط واحد.
حتى ولو قامت إيران بمناوراتها الاستعراضية في بحر الخليج العربي أو اشترت قبل أيام عن طريق سوريا عشر منظومات من مجموع 50 منظومة دفاع جوي قامت روسيا ببيعها إلى سوريا، ومهما هدد ووعد نجاد برد المعتدي ومحو إسرائيل من على الخارطة، إلا أنه يجب علينا الاعتراف بأن ما نحلم به على المدى القصير ليس ما تخطط له الولايات المتحدة على المدى البعيد.
نحن ننام في سلام على مخدات من ريش النعام ونشخر عالياً ونأكل حتى التخمة، وهناك شعوب لا تعرف النوم ولا السلم وتخطط لضمان مصالحها الاستراتيجية إلى مئة عام مقبلة. إن الذين يعتقدون أن أميركا لن تقدم على مثل هذه الخطوة لخشيتها على قوتها من أن (تقهر) أمام قوة الجمهورية الإسلامية في إيران، فهم خاطئون.
وان الأساطيل والبوارج وحاملات الطائرات الأميركية قد دخلت الخليج منذ زمن طويل. ولن تخرج منه إلا بعد أن يسود الهرج والمرج والدمار كل مكان.
جامعة الإمارات