لم يعد بإمكان إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية أن يستمر بحكم إسرائيل زمناً طويلاً، ذلك لأن الأحداث التي مرت خلال العام الأول من تأسيس حزبه (كاديما) وتوليه السلطة كشفت منذ الأيام الأولى أن هذا الحزب حزب ملفق فهو تجميع سياسيين وطامعين وفاشلين وانتهازيين من مختلف الأشكال والألوان، لا تجمعهم أيديولوجيا ولا توحدهم سياسة، همهم الأول والأخير الوصول إلى جنات السلطة.
وقد استطاع هذا الحزب بعد تأسيسه معتمداً على (كارزمية شارون المؤسس) أن يفوز بالانتخابات التي أُشتهر قبيلها كي يخوضها شارون متسلحاً بحزب، وخرج منها أقوى الأحزاب الإسرائيلية بما فاز من مقاعد في (الكنيست) دون أن يكون أقدر هذه الأحزاب جماهيرياً أو متجذراً في المجتمع الإسرائيلي له قوة ومقدرة ورأي عام وإمكانيات جماهيرية وتقاليد نضالية كما هي الأحزاب القديمة والتقليدية، وبقي حزب (كاديما) رغم مقاعده العديدة حزباً هشاً ضعيفاً ملفقاً، جامعاً كتلاً وشخصيات من توجهات ومصالح متناقضة.
ولذلك كان مقدراً له الفشل في الحكم سواء شن عدوان صيف 2006 على لبنان أم تجنبه، لأنه ـ أي الحزب ـ يحمل في أحشائه تناقضات لا حصر لها بين كتله وشخصياته، فقد تحالفت معه في الحكومة تجمعات وأحزاب معظمها هش مثله، فحزب شاس مثلاً لا يهتم إلا بمدى المساعدات التي تقدم له وللمدارس الدينية التي يديرها.
وطالما تحالف خلال تاريخه مع اليمين واليسار والوسط عندما تقدم له الحكومة الجعالة المطلوبة، وكتلة المتقاعدين لا تهدف إلا لرفع سوية معاش المنتسبين إليها من المتقاعدين وغالباً لن تعود للكنيست إذا تقررت انتخابات مبكرة، أما حزب العمل الذي فقد قادته التاريخيين فقد استسلم للصف الثالث والرابع وهو ينازع الموت الآن ويطلب الشراكة في الحكم علّها تقدم له نسغ الحياة.
وهكذا فالكتل الرئيسية المتآلفة على الحكم مع (كاديما) هي كتل ضعيفة تشغلها القضايا الآنية فلا استراتيجية لها ولا سياسة بعيدة المدى، ترى بعين واحدة أو أنها لا ترى أبداً، ولذلك خسر قادتها شعبيتهم كما خسرت هي هذه الشعبية، ولم تعد الحكومة محط ثقة الإسرائيليين وصارت عاجزة عن اتخاذ أي قرار جدي سواء يتعلق بالشأن الداخلي أم بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي، ولعل صفة حكومة (تسيير الأعمال) هي أكثر الصفات صدقية من التي يمكن أن تطلق على الحكومة الإسرائيلية الحالية.
إن هذا الواقع البائس الذي تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها فيه أنه أرضى الإدارة الأميركية كثيراً وربما أسعد ساستها، ذلك لأن هذه الحكومة لم تعد قادرة على الضغط على إدارة الرئيس بوش ولا تحريك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهي مضطرة أن تعتمد على الإدارة الأميركية كلياً في بقائها واستمرارها، حتى كاد تقرير (لجنة فينوغراد) يسقط هذه الحكومة لولا (النصيحة) الأميركية التي قُدمت لشخصيات (كاديما) ولقيادات الأحزاب المتحالفة بالحكومة، وهكذا استمرت حكومة أولمرت وسوف تستمر إلى مدى آخر ما دامت الإدارة الأميركية تدعمها وتصر على استمرارها.
أصبح واضحاً لدى الإسرائيليين أنهم غير قادرين على تغيير حكومتهم مادامت تتمتع بالدعم الأميركي (الذي يجبر الكتل على الالتفاف حولها) فضلاً عن الأكثرية النيابية، كما هم مقتنعون أن هذه الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرار استراتيجي يحل بعض المشاكل الأساسية التي تواجه المجتمع الإسرائيلي، سواء منها المتعلقة بمشاكل الداخل أم بمشاكل الصراع العربي الإسرائيلي، ولا يستبعد ـ مع ذلك ـ أن عجزها هذا سوف يقودها إلى عمل عسكري أو مغامرة عسكرية لن تكون نتائجها أخف وطأة عليها من نتائج عدوان 2006 على لبنان.
في هذه الظروف الصعبة التي تتمثل بعدم امتلاك الحزب الحاكم الأيديولوجية أو الخطة السياسية، وأمام ضعفه وضعف الكتل المتآلفة معه في الحكومة، وعجز الحكومة عن حل أي قضية أساسية، يبرز حزب الليكود (وهو الأم التي خرج حزب كاديما من رحمها)، يبرز كحزب أيديولوجي متطرف منظم متماسك قوي، ويعطي ضعف الحكومة وخوف المجتمع الإسرائيلي وعدم نضوجه للسلام، يعطي تطرف (الليكود) بريقاً خاصاً يؤهله للفوز بعدد كبير من النواب في أول انتخابات قادمة، لأن الليكود وحده هو الذي يمتلك صفات الحزب بما هو أيديولوجيا وخطة سياسية وتنظيم داخلي وانضباط، وهذا ما يؤهله بنظر المجتمع الإسرائيلي للعودة للحكم وإعادة الاطمئنان لمجتمع متطرف لم تحقق له حكوماته في السنوات الأخيرة شيئاً يرضي تطرفه.
دعمت سياسة الإدارة الأميركية حكومة إيهود أولمرت بسبب ضعفها الذي يضطرها لقبول النصيحة الأميركية مهما كانت لأنها لا تستطيع أن ترفض أي مقترح أميركي، ونظراً لأن الولايات المتحدة على أبواب تنفيذ مشاريع وخطط في المنطقة على رأسها مشروع الشرق الأوسط الجديد، والذي لا تستطيع حكومة أولمرت رفضه عند بدء تطبيقه، أو البحث عن دور خاص لإسرائيل فيه غير ما تقرره السياسة الأميركية، لأن ذلك كذلك فإن المصلحة الأميركية تقضي باستمرار حكومة (كاديما).
أما نتانياهو المتطرف الأحمق الذي يقود حزباً متماسكاً أيديولوجياً معافى فإنه قادر على قول لا للولايات المتحدة وتحريك اللوبي الصهيوني وإحداث الضغط لإلزام الولايات المتحدة بإعطاء إسرائيل نصيب الأسد في أي مشروع لها في المنطقة خاصة وأنه قد يحتمي بصديقه نيكولاى ساركوزي المتعاطف مع إسرائيل والذي تربطه معه صداقة قديمة.
إن عاد نتانياهو، ربما يعيد الصراع العربي الإسرائيلي إلى نقطة الصفر وللمربع الأول وعندها لن تنفع لا المبادرات السابقة ولا اللاحقة ولا مشاريع الاتفاقات السرية أو العلنية. وعلى العرب حينئذ أن يعيدوا النظر بمبادرتهم وبآليات تنفيذها، خاصة وان التجربة مع نتانياهو لم تكن مشجعة في السابق وما من سبب يدعو لأن تكون مشجعة في المستقبل.
ومن المتوقع إذا عاد نتانياهو في الظروف العربية والإقليمية والدولية القائمة فستكون المنطقة على أبواب احتمالات جديدة لاشك أن أحلاها مر بالنسبة للعرب في ضوء ضعفهم والتطرف الليكودي وأزمة السياسة الأميركية في العراق وفي المنطقة وستكون عودته مشكلة للسياسة الأميركية نفسها التي تزعم أنها تعمل لتقوية الاعتدال لدى دول المنطقة.
كاتب سوري
