لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى اندلاع المزيد من الأزمات حتى تنفجر في وجوههم المزيد منها، بما يعرض قضيتهم ومشروعهم الوطني للتبديد ونظامهم السياسي ونسيجهم الاجتماعي للانهيار.

الجولة الأخيرة من الصراع على السلطة والاقتتال الداخلي، حصدت خلال أقل من أسبوع نحو خمسة وخمسين مواطناً، بالإضافة إلى نحو مئتين وخمسين جريحاً، هذا عدا أكثر من مئة حالة اختطاف متبادل بين حركتي فتح وحماس، وتدمير العديد من المباني والمؤسسات وترويع الناس.

كان يمكن لهذه الجولة من جولات التدمير الذاتي، أن تستمر لفترة أطول وأن تحصد المزيد من الأرواح والإمكانيات وتقضم المزيد من رصيد الفلسطينيين، قضية وشعباً لولا قرار المجلس الأمني الإسرائيلي البدء بشن عدوان تصعيدي متدرج ضد قطاع غزة بذريعة إسكات الصواريخ الفلسطينية محلية الصنع التي تسقط على البلدات الإسرائيلية.

فخلال الأيام الثلاثة الأولى من بدء العدوان الإسرائيلي الأخير، لم تكن جبهة الاقتتال الداخلي قد هدأت رغم تواصل المحاولات للتوسط من قبل الوفد الأمني المصري، والقوى الوطنية الفلسطينية غير المنخرطة في الصراع. ربما اعتقد بعض أطراف الصراع الداخلي أن حجم العدوان الإسرائيلي قد لا يتجاوز الرد الموضعي والمحدود جغرافياً وزمنياً، ذلك أن المجلس الأمني الإسرائيلي أخذ بنصيحة جهاز المخابرات الإسرائيلي «الشاباك» الذي طالب برد محدود حتى لا يكون التدخل الإسرائيلي سبباً في وقف الاقتتال لفلسطيني الداخلي كأولوية بالنسبة لإسرائيل.

على أن رغبة الحكومة الإسرائيلية في ضبط العدوان بما يسمح باستمرار الاقتتال الداخلي في غزة، يتضارب مع حاجاتها للتخفيف من ضغط الأزمة الداخلية التي نشبت إثر ظهور النتائج الأولية لتقرير لجنة فينوغراد وأن قيادات الجيش الإسرائيلي أبدت بدورها رغبة في القيام بعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، آملاً في استعادة بعض هيبة الجيش المهدورة.

بين الرغبة في ضبط العدوان الإسرائيلي، والحاجة لتطويره وتصعيده، عاد المجلس الأمني المصغر لاتخاذ قرار بمعاودة سياسة الاغتيالات لقيادات من حماس والجهاد الإسلامي بالإضافة إلى مطلقي الصواريخ والنشطاء، لإرغام الفلسطينيين على القبول بالتهدئة وفق الشروط الإسرائيلية وباعتبار ذلك السبيل الوحيد المتاح لوقف سقوط الصواريخ الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته مواصلة التدخل باتجاه تغذية عوامل الفتنة والصراع الداخلي بين الطرفين المتصارعين على السلطة، فتح وحماس.

وفي الواقع فإن اتفاق التهدئة الأخير الذي نجح في تحقيقه الوفد الأمني المصري وأدى إلى وقف إطلاق النار والاشتباك بين عناصر حماس وفتح، لا يحظى بفرص الاستقرار، شأن الاتفاقات السابقة، ذلك أن اضطرار الأطراف للتوقف تحت ضغط العدوان الإسرائيلي المتصاعد، لم يضع حداً أو يعالج الأسباب والدوافع الحقيقية وراء اندلاع هذه الموجة من العنف الداخلي.

أما الأسباب الحقيقية وراء اندلاع الجولة الأخيرة من العنف الداخلي فتعود إلى تعطل اتفاقية مكة، التي لم ينفذ منها سوى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي لم تنجح حقيقة في توحيد الجهد الوطني، بقدر ما أنها شكلت غطاءً وسبباً لتعميق الشكوك وحالة الانقسام نظراً لعدم قدرة الأطراف على استكمال المحاصصة التي جرى التوافق عليها في مكة.

وقبل اندلاع هذه الجولة، جرت محاولتان للبحث في إمكانية تنفيذ بقية بنود مكة، الأولى حين التقى الرئيس محمود عباس برئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في القاهرة، أواسط الشهر الماضي، دون أن ينجم عن ذلك الحوار سوى الحديث عن أجواء إيجابية ربما لتغطية الغضب الداخلي. أما المحاولة الثانية الفاشلة، فتكمن في الحوار اللاحق الذي جرى في غزة بعد لقاءات القاهرة بين الرئيس عباس ورئيس الحكومة إسماعيل هنية، ولم يسفر عن شيء.

في هذا الإطار يلفت النظر، التصريح الذي صدر عن مستشار رئيس الحكومة الدكتور أحمد يوسف، فيما كان الاشتباك على أشده، وطالب فيه باتفاق «مكة 2»، الأمر الذي يلخص أسباب ودوافع الجولة الأخيرة من الاقتتال.

وفيما الفلسطينيون غارقون في أتون صراعهم على السلطة، وصراعهم مع العدوان الإسرائيليين ولأسباب ودوافع غير فلسطينية بالمطلق، تندلع جبهة القتال بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام» في شمال لبنان ويكون ميدانها مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين.

ويبدو أن ثمة من يرغب في زج الفلسطينيين لتحقيق أغراض إقليمية، إذ يتزامن هذا القتال مع بدء المناقشات في مجلس الأمن الدولي بشأن المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق الشهيد رفيق الحريري. على أن الأمر يتجاوز ما تسعى إليه الأطراف التي تعمل على تعطيل المناقشات الدولية، إذ تجد بعض الأطراف في لبنان فرصتها لتفريغ الأزمة الداخلية التي تعاني منها الحكومة والحكم في لبنان، باتجاه فتح ملف السلاح والوضع الفلسطيني في لبنان، ولتحقيق أغراض سياسية بعيدة المدى تلتقي مع ما كانت تريده السياستان الأميركية والإسرائيلية للبنان.

من الواضح أن ثمة مؤامرة كبيرة متعددة الأطراف، وربما تكون متضاربة، لكنها تلتقي عند مربع إرهاق الوضع الفلسطيني، وتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن تعطيل الجهود الرامية لتنشيط عملية السلام، ولتمكين إسرائيل من مواصلة رسم حدود التسوية المستقبلية على الأرض ووفق مصالحها.

غير أن الحديث عن «مؤامرة» ضد القضية الفلسطينية ينقلنا إلى مربع الحديث عن مسؤولية القيادات السياسية الفلسطينية خصوصاً المتصارعة على السلطة، التي ينبغي أن تتمتع بحكمة وحنكة سياسية والتزام بالمصالح الوطنية الفلسطينية، يجعلها تعيد حساباتها، وتجمد العمل وفق أجنداتها الفصائلية لكي يتفرغ الكل الفلسطيني موحداً في مجابهة التحديات الخطيرة التي تعصف بالقضية الفلسطينية وبالنظام السياسي وحتى بالبنية الاجتماعية.

إن القيادات الفلسطينية تتحمل مسؤولية تاريخية وخطيرة إزاء ما تتعرض له القضية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب تجاوز أسباب الانقسام والاحتراب، والذهاب إلى حوار وطني شامل واستراتيجي يؤدي إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني والقدرة الفلسطينية على الصمود قبل أن يخرج من يقول «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com