تشير تطورات الأحداث التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن إلى أن هناك تنسيقاً غير معلن بين الأحزاب العلمانية من اجل استبعاد حزب العدالة والتنمية من ان يستمر حزبا حاكما بعد الانتخابات التشريعية المبكرة المقبلة.

فالمتابع لما يحدث في تركيا سوف يلاحظ أنها تشهد سباقا بين تيارين الأول هو حزب العدالة والتنمية الذي يريد ان يؤبد سيطرته على مؤسسات الدولة وهو عجل بموعد الانتخابات البرلمانية لعلها تساعده في استمرار شعبيته الحالية لمدة 5 سنوات أخرى مقبلة، وبما يعطى له التفويض الشعبي الجديد يساعده في تغيير هيكل الدولة وبما يسمح له بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية احد قيادات الحزب نفسه .

إما التيار الآخر فهو الأحزاب العلمانية التي بدأت في التكتل من اجل إنهاء سيطرة العدالة والتنمية على الحكم ففي الوقت الذي كان البرلمان التركي يشهد التصويت على المرشح عبدالله غول أعلن حزبا «الوطن الام» و«الطريق القويم»، وكل منهما ينتمي إلى يمين الوسط، اندماجيهما معا وذلك قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في أواخر يوليو المقبل، ويمكن لهذا الاندماج ان يمكن الحزبين من الفوز بأكثر من نسبة 10% من أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، مما سيضعف هيمنة حزب العدالة والتنمية على البرلمان.

وأعلن حزبا الوطن الام الذي يشغل 20 مقعداً والطريق الصحيح الذي يشغل أربعة مقاعد في البرلمان المؤلف من 550 مقعداً اندماجيهما في مؤتمر صحافي مشترك ، إن الاسم الجديد للحزب سيكون (الحزب الديمقراطي).

وفي نفس الوقت هناك محاولات من اجل توحيد حزبي يسار الوسط معا وهما الشعب الجمهوري الذي يمثل حزب المعارضة الرئيسي الآن وحزب اليسار الديمقراطي الذي كان حاكما من قبل والخلاف الآن حول رغبة الحزب الأول في ان يندمج الحزب الثاني فيه على الرغم من ان الحزبين كانا في السابق حزبا واحدا وانشق الى حزبين ونعتقد إن ضغوط المؤسسة العسكرية قد تدفع الحزبين الى التوصل إلى صيغة مرضية لهما معا بما يسهل ان يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية بين يسار ويمين الوسط ويعود حزب العدالة والتنمية إلى المعارضة مرة أخرى.

فإذا كانت استطلاعات الرأي الحالية تقول إن حزب العدالة والتنمية سوف يحتفظ بنفس النسبة التي حصل عليها في الانتخابات الماضية اي 34%، فإن اندماج الأحزاب العلمانية سيعني أنها تستطيع ان تدخل كلها البرلمان المقبل بما يحرم العدالة من ان يسيطر على الأصوات التي ستجير له لأن أحزابها فشلت في ان تحقيق النسبة التي تسمح لها بالتمثيل في البرلمان وهو ما يعني انه لن يحقق الأغلبية المطلقة داخل البرلمان على النحو الحالي وفي حالة تشكيل حكومة مشتركة بين يسار ويمين الوسط سيصبح العدالة معارضا لهذه الحكومة وهو ما تسعى إليه الأحزاب الأخرى الآن، وبالتالي نستطيع القول ان تركيا الآن في حالة تأسيس خريطة سياسية جديدة.

يضاف الى ذلك ان القوى العلمانية سواء الحزبية ام تلك المنتمية الى منظمات المجتمع المدني تحشد قواها من اجل إظهار شعبيتها في مواجهة حزب العدالة والتنمية فالمظاهرات التي اندلعت في المدن التركية ومنها ما وصل عدد المشاركين فيها إلى مليون مواطن للمطالبة بعدم ترشيح احد قيادات حزب العدالة والتنمية الاسلامى إلى منصب رئيس الجمهورية وهي مظاهرات تحولت إلى مدافعة عن علمانية الدولة بعدما انسحب عبدالله غل من المنافسة على المنصب وبعدما بدأ العدالة والتنمية إجراءات تعديل نظام انتخاب رئيس الجمهورية ليصبح مباشرا من الشعب نفسه وهذا الأمر يعني ان تجرى حاليا عملية تجييش للشعب في مواجهة الحزب وخطورة هذا الأمر انه يمكن ان يحول بعض القطاعات المتعاطفة مع الحزب إلى رافضة له لأنه يتم حاليا تصوير الحزب بصورة الهادف إلى تغيير بنية الدولة التركية.

يضاف إلى ذلك موقف الجيش من ترشيح عبدالله غول الذي أكد فيه انه مازال مدافعا عن العلمانية وان العلاقة بينه وبين حزب العدالة والتنمية ليست على ما يرام والذي ألمح فيه إلى إمكانية التدخل المباشر في الحياة السياسية من اجل الحفاظ على علمانية الدولة، كلها تؤكد الاستقطاب الذي تعيش فيه تركيا والذي ظن معظم المراقبين ان تركيا قد تجاوزته منذ عام 2002 وهو ما يعني ان تركيا يمكن ان تعيد إنتاج أزماتها السياسية الطاحنة التي عانت منها طوال النصف الثاني من القرن العشرين.

وهذا الاستقطاب يمكن إن يكون على حساب تيار الإسلام السياسي بالنظر إلى انه وان كان قد تم إدماج هذا التيار بصورة كاملة في العملية السياسية فإن خطورة ما يحدث الآن هو انه يهدف إلى تهميش هذا التيار مرة أخرى داخل هذة العملية وهذه المرة لن يكون استيعاب التيار في العملية السياسية بسهولة وإنما ستطلب نضالات وتضحيات أخرى من كوادره وهو الأمر الذي يعد انتكاسة إلى الخلف ولن يستطيع الحزب التعامل معها بسهولة.

لقد ساد اعتقاد في تركيا الفترة الأخيرة حول ان العدالة والتنمية أصبح مدعوماً من الخارج وعلى الأخص من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وقد ساعد خطاب الأحزاب القومية على سيادة هذا التصور مستنداً إلى تصريحات أكثر من مسؤول أميركي يشيد بتجربة حزب العدالة والتنمية في المزج بين الحداثة والإسلام ورغبة الولايات المتحدة في ان تكون تجربة هذا الحزب نموذجا في العالم الاسلامى، وهذا الأمر يعني إن هناك عملية اغتيال معنوي تتم لحزب العدالة والتنمية وهو ما ستكون له تأثيرات سلبية على تيار الإسلام السياسي في تركيا بوجه عام .

فهل يعي الحزب ذلك ويبحث عن توافق مع باقي القوى السياسية أم انه سيظل على سياسته التي تسعى إلى السيطرة على مؤسسات الدولة من دون شريك؟

كاتب مصري