هذا تساؤل عما إذا كانت دولة مُحتلة، أياً كانت هذه الدولة، يُمكن أن تحمل في أجندتها مشروعاً نهضوياً للبلد المُحتل تنتعش في أجوائه طموحات أبنائه في تحقيق بعض أحلامهم؟ أم تخلو أجندتها من ذلك. هذا تساؤل حول ما إذا كانت دولة محتلة.

أياً كانت هذه الدولة ترغب فعلاً في بناء نظام ديمقراطي في البلد الذي تحتله، أم تُسوق له وهماً ونموذجاً كسيحاً يعيق تطوره الطبيعي. هذا تساؤل حول الفرق بين الأهداف الحقيقية وبين الأهداف المعلنة لدولة عظمى تكتسح جيوشها الجرارة، القادمة من وراء البحار، بلداً صغيراً ثرياً متعباً؟

سبق لمعظم دول القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، أن وقعت في قبضة دولة محتلة، مجاورة لها أو بعيدة عنها، قديماً أو حديثاً. وإذا اقتصر حديثنا على الدول التي تقع في القارتين آسيا وإفريقيا فقط حيث تقع جميع دول الشرق الأوسط، ومنها الدول العربية، لوجدنا أن معظم هذه الدول قد خضعت لفترة ما لاحتلال أو نفوذ إحدى دولتين: بريطانيا أو فرنسا اللتين تقاسمتا أسلاب الإمبراطورية العثمانية بعد انهيارها في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

فما الذي حملته هاتان الدولتان من قيم الديمقراطية إلى البلدان التي قامت باحتلالها؟ بريطانيا أقدم الديمقراطيات في العالم، وفرنسا وريثة تقاليد الحرية والمساواة التي صاغتها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر والتي صدر عنها أول تشريع لحقوق الإنسان. لن ندخل في تفاصيل حول ذلك فهي كثيرة لا تحصى، فلكل شعب في منطقة الشرق الأوسط قصص كثيرة وطويلة مع المحتل، كتب أغلبها بمداد أحمر.

يقرأ العراقيون في كتب التاريخ كلمات الجنرال مود حين دخل بغداد إثر هزيمة الجيش العثماني: «جئنا محررين وليس فاتحين» لبعث الطمأنينة في الوجوه والنفوس الحائرة التي تشهد أفولاً للعصر العثماني الذي دام قروناً عديدة. وإذا كانت هذه الكلمات الجميلة قد أقنعت بعض الساسة العراقيين، ولو ظاهرياً، آنذاك بحسن النوايا البريطانية، إلا أن التأريخ، وهو شاهد صادق، قد أفاد بغير ذلك، فسلسلة الأحداث اللاحقة التي جرت في العراق منذ ذلك اليوم خير شاهد على كذب هذا الجنرال.

لقد فشل الاحتلال البريطاني للعراق، في نهاية الحرب العالمية الأولى، في إنشاء دولة عراقية ديمقراطية، فذلك لم يكن في أجندته، إذ طوال سني الاحتلال المباشر الذي استمر أربع سنوات، وطوال سني النفوذ السياسي على الحكومة العراقية إبان العهد الملكي، والذي استمر لمدة سبع وثلاثين سنة، كانت بعض المظاهر الديمقراطية المحدودة التي تتمثل بحرية الصحافة وتشكيل الأحزاب والانتخابات النيابية، الاستثناء وليس القاعدة، سرعان ما يجري الالتفاف حولها وإفراغها من محتواها وتوظيفها لخدمة النظام السياسي القائم.

وقد شهدت الساحات العراقية قمعاً دموياً للتظاهرات السلمية في مناسبات عديدة في الأعوام: 48 و 52 و 56، ولم تكن الأحكام العرفية التي كانت تعلن بين الحين والآخر لإلغاء الحياة المدنية وتعليقها لصالح إصدار قرارات لا تتسم بالشرعية الدستورية، تقليداً غريباً على الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي.

وقد هلل الشارع العراقي، يوم سقوط النظام الملكي في الرابع عشر من يوليو عام 1958، لزوال النفوذ البريطاني وتمهيد الطريق لسلسلة من الإجراءات والقرارات لتحرير الفضاء العراقي الذي كان أسيراً لإرادة ومصالح الدولة العظمى بريطانيا.

ولم تتفوق على سياسات القمع التي عانى منها الشعب العراقي في العهد الملكي، سوى سياسات القمع التي مارسها النظام العراقي السابق على مدى ثلاث عقود من الزمن، تلك السياسات التي أوصلت بعض القوى السياسية العراقية إلى اعتبار الاحتلال الأميركي للعراق بمثابة بوابة لعصر ديمقراطي ذهبي.

ورغم أن للعراقيين تجربة مع المحتل ومع شعارات التحرير الباهتة وأنغام النشاز التي عُزفت على سنابك خيله أو جنازير دباباته، إلا أنه ليس هنالك ما يضير في طرح هذا السؤال المهم من جديد: هل هنالك دولة مُحتلة تسعى إلى خلق نظام ديمقراطي في البلد الذي تحتله؟

هل نصدق الرئيس الأميركي جورج بوش وهو يتحدث عن التحرير وعن البناء الديمقراطي في العراق كما صدق أسلافنا الجنرال مود؟ سنقارب هذا التساؤل في سياقين، الأول: أكاديمي بحت يخضع للاختبار بأدوات النظرية والمنهج والأسلوب، والثاني: سياسي براغماتي ينبع من المصالح ويراعي النتائج ليس غير.

نود أولاً أن نذكر بأن المشروع الأميركي حول الإصلاح ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير لم يحظ باهتمام يذكر في المحافل الأكاديمية وذلك لبؤسه. فمن الناحية الأكاديمية، الحديث عن الديمقراطية هو حديث عن السيادة بالدرجة الأولى، على مستوى الفرد وعلى مستوى الشعب، فالديمقراطية فضاء يرسم فيه الفرد رغباته بحرية، ويختار الشعب ممثليه في المجلس النيابي بقناعة، وحكومة يقلقها عدم رضا الشعب عن أدائها فتعمل جهدها لخدمته، وقوانين وأعراف يتساوى فيها الجميع، وآليات متيسرة يستطيع بها الشعب من خلال ممثليه في منظمات المجتمع المدني أن يرسم الأطر لحاضره ومستقبله موظفاً موارده الطبيعية والبشرية على الأوجه التي تراعي مصالحه.

وتُنتهك الديمقراطية حين يُجرد فضاؤها من أبعاده الرحبة، وحين تدخل فيه عناصر جديدة تقيد من حركة الفرد وتُحد من طموحه وتلغي بعض حقوقه، وهذا ما تصنعه الأنظمة الديكتاتورية. أما الاحتلال فهو إلغاء كامل لمبدأ السيادة ومسخ لكبرياء الفرد والمجتمع.

الديمقراطية نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي وقيمي ينشأ بفعل عوامل موضوعية تنبع من المجتمع نفسه وليس بفعل عوامل خارجية، وهي لهذا السبب لا يمكن فرضها عليه فذلك مخالف لقوانين التطور الطبيعي.

نشأ النظام الديمقراطي في أوروبا لأول مرة بسبب عوامل عديدة معقدة أساسها الحاجة لهكذا نظام في ضوء التطور التاريخي للمجتمعات الأوروبية ارتقت فيها العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقيمية إلى الدرجة التي لم يعد أمام طبقة الملاكين الكبار المدعومين بسلطة الكنيسة سوى الإذعان لمنطق التأريخ والقبول بإنشاء النظام السياسي الجديد الذي يستند كلية إلى حكم الأغلبية.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن مولد الديمقراطيات في القارة الأوروبية قد اقترن ببزوغ عصر التنوير وتعاظم شعبية الأفكار الإصلاحية الذي تزامن مع أفول النفوذ السياسي للمؤسسة الدينية وعودة عرابيها مع صلبانهم إلى الكنائس والكاتدرائيات، واعتماد القوانين والأعراف المدنية في حياة المجتمعات، فمصدر السلطات في المجتمعات الديمقراطية هو الشعب بمختلف مؤسساته المدنية وليس المرجعيات الدينية.

أما من الناحية السياسية البراغماتية، وبعيداً عن الأحكام الأكاديمية، فالإجابة عن هذا التساؤل مكملة للإجابة الأولى وليست مناقضة لها، فليس هنالك دليل يعزز الادعاء بأن الاحتلال يمكن أن يصنع نظاماً ديمقراطياً في البلد المحتل، إذ ليس من المنطق أن نتصور بأن من مصلحة الدولة التي تحتل قواتها بلداً آخر أن تقيم فيه نظاماً ديمقراطياً، فهنالك مصالح متضاربة بين الطرفين، فالدول المحتلة لها مصالح مهمة دفعتها لاحتلال هذا البلد أو ذاك وليس من صالحها العمل على إيقاظ المارد الذي صرعته، فمنحه شرعية انتخابية يقرر من خلالها كيف يتصرف بإرادته وثرواته، ومع مَن مِن الدول يفضل التعامل وفق مصالحه وعلاقاته التاريخية، ليس في صالحها.

ولا تدلنا تجربة من تجارب الشعوب التي عانت من المحتل في القارات الثلاث المذكورة أنها مدينة له بفضل بناء الديمقراطية، فليست في ذاكرة الشعوب التي عانت من الاحتلال، في كل بقاع العالم، إلا كوابيس حاولت التخلص منها بإقامة نُصب التحرير والاحتفال سنوياً بالعيد الوطني وهو اليوم الذي تخلصت فيه من المحتل.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae