بدأت بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية لعبة عسكرية سياسية شاملة تعكس بوضوح ما يشبه أبدية الصراع بين هاتين الدولتين اللتين فرض عليهما التاريخ المعاصر صراعا دائما و تنافسا على المصالح والنفوذ، فلم تكد تمضي بضع سنوات قليلة على انتهاء الحرب الباردة التي استمرت بينهما قرابة نصف قرن من الزمان، حتى بدأت بوادر حرب باردة جديدة بينهما تظهر في الأفق وتعكس مدى تباين وتناقض مصالح البلدين، وإن كان التناقض في المصالح شيئاً عادياً ومتعارفاً عليه في العلاقات الدولية إلا أنه عندما يكون بين أكبر قوتين عسكريتين ونوويتين يصبح الأمر مختلفا تماما، وإن كان لا أحد يتصور أن تنشب حرب بين هاتين القوتين.
إلا أنه بنظرة عادية للساحة الدولية نلاحظ أن معظم إن لم يكن جميع النزاعات المسلحة الدائرة على الساحة بجميع أطرافها يتقاسمها السلاحان الروسي والأميركي، وهذا في حد ذاته يعكس مدى تأثير القوتين في مسار الأحداث الدولية حتى وان بدا للبعض غياب الدور الروسي.
إلا أنه موجود دائما وأحيانا يصبح في حد ذاته سؤالا محوريا ، مثلما حدث في الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف عام 2006 عندما تحول سؤال السلاح الروسي في يد المقاومة اللبنانية الى قضية محورية محل جدل ونقاش كبير.
الأزمة الآن بين موسكو وواشنطن ليست حول منطقة نزاع أو وجود سلاح أحدهما في يد جهة أخرى، لكنها أزمة مباشرة بين البلدين تشبه إلى حد ما أزمة «خليج الخنازير» في الستينات عندما نصبت موسكو صواريخها المتوسطة المدى على جزيرة كوبا ووجهتها تجاه الأراضي الأميركية.
والآن تنصب واشنطن منظومة دفاعها المضادة للصواريخ على أراضي دول قريبة من الحدود الروسية هي بولندا وتشيكيا، وتدعي واشنطن أن روسيا ليست هي الهدف من هذه المنظومة، وهو ادعاء باطل لا تقبله موسكو.
ويتظاهر الأميركيون بدعوة الجانب الروسي للمشاركة في بناء المنظومة الأميركية للدفاعات المضادة للصواريخ في أوروبا. أما الروس فإنهم يتظاهرون بقبول هذه الدعوة، ولكن الطرفين يعملان كل شيء من أجل أن يكون التعاون بينهما في هذا المجال مستحيلا.
وتعارض روسيا بشكل حاد فكرة نشر عناصر من المنظومة الأميركية للدفاعات المضادة للصواريخ قرب حدودها في حين دعا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في محادثاته التي أجراها في موسكو مؤخرا الجانب الروسي إلى التعاون في هذه المسألة.
وعلق على هذه الدعوة مدير البرامج الروسية والآسيوية في معهد الأمن العالمي بواشنطن نيقولاي زلوبين قائلا: «يدرك الأميركيون أن من مصلحتهم حصر روسيا في زاوية، ولهذا بدؤوا بسرعة بالبحث عن خيارات للتعاون».
الروس يرون أن المقترحات الأميركية ساذجة لأن تلك المنظومة موجهة ضد روسيا في حقيقة الأمر. حيث يدعي الأميركيون أن القواعد الجديدة في أوروبا ستحميهم من التهديدات التي قد تصدر عن بعض الدول كإيران، ولكن الإيرانيين لا يملكون صواريخ باليستية عابرة للقارات تستطيع تهديد أوروبا ناهيك عن الولايات المتحدة.
أما روسيا فإنها تملك مثل هذه الصواريخ. وحتى لو افترضنا أن التهديد الإيراني موجود فعلا، ألا يجدر بالولايات المتحدة نشر عناصر من منظومتها الدفاعية المضادة للصواريخ في مكان آخر كتركيا مثلا وليس في أوروبا الشرقية؟ وستكون روسيا مستعدة في مثل هذه الحال للتعاون مع الولايات المتحدة، ولكن بشرط أن يبدأ بناء مواقع المنظومة الدفاعية المضادة للصواريخ من الصفر وعلى أساس التكافؤ.
موسكو ترى أن الخطط الأميركية تخل بتوازن القوى الاستراتيجية في أوروبا، وتثير سباقا جديدا للتسلح. و كما قال مسئول كبير في وزارة الدفاع الروسية: «إذا لم نتفق (مع الجانب الأميركي) فسنجد أنفسنا مضطرين لبناء شيء ما ردا على ذلك». وأكد أن الأسلحة الهجومية أقل تكلفة من الأسلحة الدفاعية دائما.
وزير الدفاع الأميركي أكد أكثر من مرة أن التعاون بين واشنطن وموسكو ممكن ويوفر الكثير من الإمكانيات على البلدين وأن الولايات المتحدة تدعو روسيا إلى المشاركة في فعالياتها العسكرية في مجال الدفاع الاستراتيجي المضاد للصواريخ.
و لكن رغم كلمات وزير الدفاع الأميركي التي تحمل طابع الطمأنة وصف وزير الدفاع الروسي سيرديوكوف نشر عناصر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا بأنه عامل خطير لزعزعة الاستقرار ويستهدف في الأساس روسيا دون غيرها.
وقال وزير الدفاع الروسي في أول تصريح له بشأن مخطط الولايات المتحدة: «ترى موسكو أن المنظومة الاستراتيجية للدفاع المضاد للصواريخ تمثل عاملا خطيرا لزعزعة الاستقرار بمقدوره أن يؤثر بشكل ملموس على الأمن الإقليمي والعالمي».
كما أعرب سيرديوكوف عن القلق من مخططات الولايات المتحدة لاستخدام الصواريخ البالستية العابرة للقارات المزودة برؤوس مدمرة غير نووية. الأوروبيون مثلهم مثل روسيا متخوفون وقلقون للغاية من نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي على أراضيهم و ينتابهم حالة من عدم الثقة في واشنطن، ويرغبون بمعرفة رأي روسيا بعد اتصالاتها مع الولايات المتحدة حول المخططات الأميركية الرامية إلى نشر عناصر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا.
النائب الأول لرئيس الوزراء الروسي سيرغي ايفانوف قال إن الحديث عن إمكانية التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في مجال الدفاع الاستراتيجي المضاد للصواريخ يفتقر إلى أي أساس. وقال إيفانوف «إن هذا الموضوع يؤرقنا فعلا، إذ من غير الواضح ما الذي يدعو لإقامة عناصر من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية وبالذات في تشيكيا وبولندا». من الواضح أن روسيا لن توافق على القرار الأحادي الجانب «في مجال هام استراتيجيا مثل نشر عناصر القدرات الاستراتيجية الأميركية في أوروبا».
بالنسبة لروسيا فإن ما تمتلكه الولايات المتحدة من صواريخ مضادة في الوقت الراهن لا تمثل تهديدا كبيرا على صواريخها المجهزة برؤوس مدمرة في حال وضعها (أي الصواريخ المضادة الأميركية في الأراضي التشيكية والبولندية).
غير أن واشنطن تتطلع إلى صنع ما سوف يقدر على إبطال مفعول صواريخ تنطلق من شطر روسيا الأوروبي في حال وضعه في الأراضي البولندية ناهيك عما تنوي الولايات المتحدة وضعه في الفضاء. وقد بدأت روسيا تحتاط لمواجهة ما قد تضعه الولايات المتحدة من أسلحة خطيرة في القارة الأوروبية وفي الفضاء واتخذت في ذلك إجراءات فعلية كتجهيز صواريخها «توبول - م» بعدة رؤوس نووية.
ويتضمن برنامج تسليح القوات المسلحة الروسية صنع قاذفتي قنابل جديدتين من طراز «تو - 061» تستطيعان اختراق شبكات اصطياد الصواريخ. كما تستعد روسيا لنشر صواريخ «اسكندر» التكتيكية بالقرب من حدودها. وسوف تبدأ القوات الروسية في أقرب وقت بنشر صواريخ جديدة من طراز «س - 004» تستطيع تدمير الأهداف الباليستية.
ما يحدث الآن على الساحة يعني بوضوح أن سباق التسلح بين واشنطن وموسكو قد بدأ بالفعل، حتى ولو كانت واشنطن لا تقصد بالتحديد روسيا لكنها تلعب لعبة مزدوجة اعتادت عليها، حيث ستسعى واشنطن لإجبار الدول الأوروبية ودول أخرى في الشرق الأوسط وفي آسيا على شراء أسلحة أميركية حديثة تتناسب مع طبيعة الحروب المتطورة القادمة، الأمر الذي ينعش في آن الاقتصاد الأميركي ويؤثر سلبا على اقتصادات الدول الأخرى التي هي في الأساس الضحية الرئيسية لسباق التسلح.
بينما ستكون روسيا الطرف الآخر للعبة الأميركية المزدوجة، حيث لن تقبل موسكو وجود هذه الأسلحة الحديثة المتطورة بالقرب من حدودها وتقف مكتوفة الأيدي، بل ستسعى بالضرورة للحفاظ على توازن القوى مع الولايات المتحدة، الأمر الذي سيدفعها للإنفاق بكثافة على التسليح ، مما سيؤدى بالتبعية إلى ضعف تدريجي لاقتصادها ثم انهيار كامل بعد ذلك، وهي اللعبة التي سبق أن استخدمت مع الاتحاد السوفييتي وانهار بسببها.
موسكو تدرك جيدا اللعبة الأميركية وأبعادها ، ولكن السؤال هو: هل تستطيع روسيا تفادي الوقوع في اللعبة الأميركية؟ هذا ما ستكشف عنه الأحداث في المستقبل القريب.
جامعة سيبيريا