بعيد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، انتهى تقرير استخباري إسرائيلي رفيع المستوى إلى أن «محمود عباس سيواجه صعوبات في إدارة التفاوض مع إسرائيل حول القضايا الجوهرية للصراع، القدس واللاجئين والحدود والاستيطان، ولن يكون قادراً على توقيع اتفاق سلام يتضمن تنازلات في هذه القضايا».

وقد رد التقرير هذه النتيجة إلى أن الحكومة الفلسطينية الجديدة محكومة بأفكار حماس وأن عباس وفريقه المفاوض عليه أن يعود إلى تصديق المجلس الوطني لمنظمة التحرير الذي لم يتشكل أصلاً أو إلى استفتاء شعبي عام، تستطيع حماس إفشاله.

في غضون المداولات الإسرائيلية حول هذه التقديرات، كانت الأوساط العربية قد اتفقت على تجديد عرض مبادرة قمة بيروت 2002، وهنا سعت حكومة إيهود أولمرت إلى مغازلة هذه الأوساط بالحديث عن إيجابيات في المبادرة، يمكن اتخاذها أرضية للتفاوض إذا ما أخليت من نقاط بعينها، أبرزها ما يتعلق بعودة اللاجئين وفقاً للقرار الدولي الشهير رقم 194.

هكذا بدت أجواء الجدل والعصف الفكري وتبادل الإيماءات بين يدي النخب الإسرائيلية حول المبادرة العربية، قبل وبعد قمة الرياض العربية أواخر مارس الماضي، وكأنها خلصت إسرائيل من عبء الرفض الصريح والمطلق للتعامل مع حكومة فلسطينية تمد يدها للتفاوض بمعزل نسبي عن رؤى حماس وحكومتها السابقة.

وفي هذا الإطار ذهب قطاع من هذه النخب غداة انفضاض قمة الرياض وتشكيل اللجنة العربية لمتابعة المبادرة، إلى أن الجامعة العربية وليس الرئيس عباس وبطانته، هي الطرف القادر على «فرض» اتفاق سلام على الفلسطينيين!

نحن بذلك أمام مشهدين متوازيين ومتزامنين.. مشهد إصرار إسرائيل على عزل حكومة الوحدة الفلسطينية عن أي تفاوض جاد ذي مغزى، مع الاحتفاظ ما أمكن بصيغة اللقاءات الثنائية أولمرت ـ عباس وتخصيصها للثرثرة حول قضايا هامشية وشكلية. ومشهد التلهف الإسرائيلي على تلطيف الأجواء السياسية وغير السياسية مع الدول العربية، بزعم كسر الجمود في عملية التسوية والتفاهم حول مقاصد المبادرة العربية وآفاقها.

المدهش والمحير في هذا الإطار أن الجانبين الفلسطيني تحت مظلة حكومة الوحدة والعربي بعد قمة الرياض ينطلقان في مقاربتهما لقضية التسوية من الأسس ذاتها: مبادرة السلام العربية بنصوصها المعروفة.. فما الذي تطمع فيه إسرائيل عندما تميز بين هذين الجانبين، واحد بالعزوف والازورار والآخر بالقبول والاستبشار؟!

لا يمكن أن نرد هذا الازدواج إلى رغبة إسرائيلية في التفاوض الجماعي مع العرب حول الشأن الفلسطيني (ولا حتى على المسارين السوري أو اللبناني). فأحد المبادئ الثابتة في السياسة الإسرائيلية هو التفاوض الثنائي والانفراد ـ أو في الحقيقة الاستفراد ـ بكل دولة أو طرف عربي على حدة.

في عام 1949 عقدت إسرائيل أربعة اتفاقات منفردة للهدنة مع مصر ولبنان والأردن وسوريا، رغم أن هذه الدول خاضت حرب 1948 متضامنة تحت قيادة موحدة برعاية الجامعة العربية. وهي اشتقت مسارات مختلفة للتسوية مع الأطراف العربية بعد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد عام 1991. وليس ثمة مؤشرات توحي بالتخلي عن هذا النهج راهنا ومستقبلاً.

لقد ذكرت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية تعليقاً على لقائها بوزيري خارجية مصر والأردن في القاهرة (10/5/2007) إنها «المرة الأولي التي تتباحث فيها إسرائيل مع الجامعة العربية.. ولكن التفاوض مع الجامعة ليس بديلاً للمفاوضات الثنائية المباشرة».

وبالمناسبة فإن الجامعة العربية بدورها ووفقاً لوزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط «لا تنوي التفاوض نيابة عن أحد وإنما تعمل بتكليفها لمصر والأردن على تهيئة المسرح والمناخ المناسب واحتياجات الطرفين ثم الدفع بعملية السلام».

علينا والحال كذلك أن نستبعد احتمال التفاوض العربي الجماعي مع إسرائيل حول الملف الفلسطيني، وأن نتحرى في الوقت ذاته دوافع الحرص الإسرائيلي على التواصل مع الجامعة العربية على خلفية هذا الملف. اجتهاداً نعتقد أن إسرائيل تطمع في استخدام التحرك العربي وسيلة ضغط لكسر ما تحسبه تشدداً فلسطينياً بشأن حق اللاجئين في العودة.

وينطلق هذا التوجه الإسرائيلي من اعتقاد آخر رديف محوره أن تسوية لقضية اللاجئين، خارج إطار القرار 194 بالتوطين في الدول العربية أو في الدولة الفلسطينية مع الاكتفاء بشق التعويض الوارد في هذا القرار، لا يمكن أن تتم إلا بمداخلة عربية قوية.

هناك مدرسة تكتسب أنصاراً يتزايدون باطراد في الدوائر الإسرائيلية الفكرية والمتنفذة، ترى أن الدول العربية «المعتدلة» باتت تميل إلى القناعة بأن الخطر عليها هو من إيران وقوى الإسلام الأصولي وليس من الدولة اليهودية.

أولمرت نفسه يتبنى هذه الرؤية ويأمل في تعاون من هذه الدول يفضي لتطويع الفلسطينيين للتعاطي مع حل يخلو من حرفية حق العودة إلى الداخل الإسرائيلي بالذات ومن «الغلو» في بقية قضايا التسوية النهائية عموماً. هذا هو الفهم الإسرائيلي لفكرة أن دور الجامعة العربية لا يتعدى تهيئة الأجواء للمفاوضات الثنائية.

ومما يشجع هذه المدرسة نجاح الدبلوماسية العربية في زحزحة حماس عن بعض رؤاها وإدراجها في زمرة قوى التسوية والمرونة الفلسطينية ومحاولة شدها بعيداً عن القوى العربية والإقليمية الموصوفة بالتطرف كسوريا وإيران.

وفي تقديرنا أن فرص هذا التحليل الإسرائيلي في المرور ضعيفة إلى منعدمة.. فالطرف الفلسطيني ليس هامشياً ولا قليل الفاعلية فيما يخص تحديد السياسة العربية للتسوية، ولاسيما تجاه قضايا الحل النهائي. ولا أدل على ذلك من أنه ما كان لقمة الرياض أن تعيد تظهير مبادرة بيروت بدون التصديق والتوقيع الفلسطيني عليها من خلال اتفاق مكة ثم برنامج حكومة الوحدة.

فهذا التصديق هو الذي جدد فرصة عرض المبادرة.. ولنا أن نتصور الاستخفاف الذي كان سيواجه هذه المبادرة فيما لو طرحها القادة العرب بمعزل عن إرادة الشريك الفلسطيني صاحب الشأن! كذلك تبالغ إسرائيل كثيراً إذا ما اعتقدت أن الجامعة العربية هي مجرد وسيط يقتصر دوره على سوق الفلسطينيين إلى حيث تريد، ثم إيداعهم نهباً لموازين القوي المختلة بشدة لصالحها.

ينبغي الاعتراف أن بعض التحركات والتصريحات العربية أغرت إسرائيل بهذا الاعتقاد الخاطئ، الأمر الذي يتعين الاحتياط من جرائره. فأي تلميح عربي بالتجاوب مع المفهوم الإسرائيلي لتسوية قضية اللاجئين أو القدس مثلاً، ربما أدى إلى نتيجتين مريرتين.

أولاهما إفساد التوافق الفلسطيني القلق أصلا والذي يتعرض راهنا لموجة كيد وعداء من داخل البيت والخارج.. وثانيتهما الوقيعة بين الفلسطينيين (أو قطاعات سياسية وأهلية واسعة منهم) وبين العرب. وبذلك تتصدع حالتي الوفاق الفلسطيني الداخلي والفلسطيني العربي اللتين تحققتا بشق الأنفس عبر اتفاق مكة وقمة الرياض، فيما تتولى إسرائيل جني أرباح هذه الشقاقات مجانا ولاسيما على صعيد التواصل والتطبيع مع العرب.

كاتب وأكاديمي فلسطيني