درج الكثير من مؤرخي العرب على أن يوضحوا لقارئيهم أنهم يكتبون التاريخ تحت راية المواعظ والاعتبار، بمعنى استخلاص الدروس المستفادة بمصطلحات عصرنا، وربما لهذا ذاعت المقولة الشهيرة عن الفيلسوف «جورج سنتيانا» «الذين لا يقرأون التاريخ كفيلون بأن يكرروا أخطاءه».
ولعل هذه الأفكار والتوجّهات هي التي ظل يصدر عنها منذ أواخر القرن الماضي مفكرون وأكاديميون عندما كانوا يشيرون على بلد كبير مثل الولايات المتحدة بأن تراجع المراحل التي سبقت من تاريخ الأمم والشعوب، وأن تحرص على وعي العبرة المستقاة من منحى الحياة والحضارة الإنسانية
وخاصة من منظور نشوء الحضارات وصعود الإمبراطوريات وأيضا من منظور اضمحلال هذه الحضارات وغروب شمس تلك الكيانات الإمبراطورية. والحق أن هذا المنحى من التفكير والبحث العلمي
وقد تصدّره منذ عقد التسعينات أستاذ جامعي كبير مثل البروفيسور بول كينيدي في دراسته الجامعة عن نشوء وسقوط الإمبراطوريات - هذا الخط الفكري والمنهج البحثي سبق إليه باقتدار مشهود المؤرخ المسلم عبدالرحمن ابن خلدون (1332-1406) في مقدمته الشهيرة بكتاب «العِبَر»
وقد رصد فيها مسار العمران، بمعنى الحضارة، فوق كوكب الأرض مستخدما منهج التحليل العلمي في تعليل ظاهرة وأسباب ازدهار ومن ثم انقطاع العمران، فيما نلاحظ أن الفكر الخلدوني توقف كثيرا بالتأمل العميق عند الانغماس في الترف والركون إلى حياة الدعة، والإسراف في الاستسلام لنوازع اللذة الحسية بمعنى الاستهلاك الكمالي الذي تغيب عنه بيئة الابتكار والتجدد ومناخ الإنتاج وإتقان العمل والإبداع.
من ناحية أخرى تعتز الثقافة الإنجليزية بكاتب وكتاب يكاد يضاهي ابن خلدون في فكره واجتهاداته وخاصة في مضمار الدرس والتحليل التاريخي، والكاتب هو إدوارد جيبون (1737-1794) والكتاب هو «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» الذي لا يزال معدودا من أمهات الكتب في تراث الإنجليزية إذ اجتمع لكاتبه براعة التحليل وبلاغة السرد فكان أن جاء كتابه قطعة من الأدب التاريخي الرفيع.
عاش جيبون ونشأ وأنتج في القرن الثامن عشر - عصر العقل كما يسمى في تاريخ أوروبا الحديث، وشاءت المصادفات التاريخية أن ينشر كتابه التأسيسي الذي ألمحنا إليه في عام 1776، وتوصي الصدفة الزمنية هنا بأن يصدر كتاب عن سقوط إمبراطورية الرومان في نفس عام الثورة الأميريكية - حرب الاستقلال التي ولدت في غمارها دولة الولايات المتحدة في العالم الجديد غرب الأطلسي،
وجاء قيامها في ذلك العالم بمثابة أول مسمار في نعش إمبراطورية أخرى هي إمبراطورية الإنجليز الذين كانوا مستعمري أميركا وسادتها(!) في تلك الأيام. وكان على إمبراطورية بريطانيا، العظمى أن تنتظر كذلك 70 عاما أخرى لكي تواجه ثورة عارمة أخرى ضدها،
اندلعت هذه المرة في شرق العالم وتجسدت في ثورة الشعب الهندي الذي كان رازحا تحت نير استعمار انجلترا من جهة وضحية لاستغلال شركة الهند الشرقية (الإنجليزية) من جهة أخرى، فكان أن أشعل الثورة في سبتمبر من عام 1857 التي هزت بدورها ركائز تلك الإمبراطورية.
وكما سبق أن توقف ابن خلدون عند ظاهرة الترف وخمول الدعة سببا جوهريا في انهيار الحضارات الكبرى توقف إدوارد جيبون بدوره عند الظواهر التي حولت روما من إمبراطورية قامت على النظام والانضباط والطابع العسكري الخشن والمتقشف إلى حيث أصبحت كيانا مترهلاً متكالباً على الملذات ومستعبدا لنوازع الترف،
هنالك ذاعت عن كتاب جيبون عبارته التي قال فيها: «إن هذا الترف كان البيئة الحاضِنة التي ترعرعت فيها عوامل الانحدار». يلفت النظر أن كثيرا من هذه الدروس المستفادة من عبرة انهيار الإمبراطوريات التي دبت في كياناتها عوامل الترهل والفساد،
فضلا عن آفات الجبروت والظلم والطغيان ـ أصبحت الآن موضعا للبحث العلمي بحيث صدرت في الآونة الأخيرة كتب عن النزعات والكيانات الإمبراطورية وعن مآلها ومصائرها وعوامل اضمحلالها وفنائها..
وبديهي أن العالم في العصور الحديثة عرف إمبراطوريات شتى منها ما تداعى إلى حد الانهيار بعد الحرب العالمية الأولى (ما بين إمبراطورية رومانوف في روسيا إلى إمبراطورية كل من النمسا وألمانيا ثم الإمبراطورية التركية العثمانية)،
بعدها شهدت الخمسينات إلى الستينات غروب إمبراطورية بريطانيا (ابتداء من حرب السويس) ثم إمبراطورية فرنسا بعد معركة ديان بيان فو في جنوب آسيا إلى معارك استقلال الجزائر. وأخيرا إمبراطورية السوفييت مع غروب القرن العشرين.
في هذا السياق أيضا أصدر البروفيسور «برنارد بوتر» أستاذ التاريخ في الجامعات البريطانية كتابه في العام الماضي عن دور كل من بريطانيا وأميركا في عالم اليوم تحت عنوان «الإمبراطورية والسوبر - إمبراطورية» ورصد كاتب آخر هو نيكولاس ديركس جبروت الإنجليز الذي مارسته بحق شعوب شبه القارة الهندية فأصدر في نفس الموعد كتابه بعنوان «فضيحة الإمبراطورية».
بيد أن الكتاب الأحدث، ولعله الأهم في هذا الخصوص هو الكتاب ـ السؤال الذي صدر في أميركا بعد بدايات شهر مايو الحالي وقد كتبه صحفي أمريكي مخضرم هو «كلن ميرفي» فاختار له عنوانا غير مألوف يلخصه سؤال له دلالته الخاصة والسؤال يخاطب الأميركيين قائلا: هل نحن روما؟،
بمعنى هل ثمة تشابه بين أحوال أميركا الراهنة - بنزعتها الإمبراطورية التي يتمسك بها المحافظون الجدد وبين الظروف والملابسات التي سبق وعاشتها الإمبراطورية الرومانية في سالف الزمان؟ ويؤيد ما نذهب إليه في هذا السياق العنوان الفرعي للكتاب الذي جاء على الوجه التالي: «سقوط إمبراطورية ومصير أميركا».
وكأنما قصد الكاتب الأميركي أن ينصب أمام أميركا - الراهنة مرآة هائلة تنظر فيها إلى نفسها وتتحقق من عوامل التماثل أو المشابهة أو التناظر التي تجمع بينها وبين إمبراطورية روما، لعلها تتعلم الدرس من عبرة أمر التحولات المأساوية - الكارثية التي طرأت على ذلك الكيان الإمبراطوري القديم..
ومن عجب أن رواد الاستيطان الأوائل الذين عبروا المحيط إلى أمييكا، كان في وجدانهم نموذج روما التي بدأت «مدينة صغيرة واعدة ومبشرة فوق الجبل»، على نحو ما وصفها المؤرخون القدامى، وهو وصف استخدمه مؤسسو أول مستوطنة في العالم (الأميركي) الجديد في ولاية ماساتشوستس،
وهو أيضا نفس الوصف الذي كان مفضلا لدى رئيس أميركا الأسبق رونالد ريجان، المهم أن هذه النوعية من الكتابات تحذر أميركا من التحول من مكانتها التي كانت تعتز بها منذ أيام مشروع مارشال لتعمير أوروبا،
ومنذ مشاركتها في الحرب العالمية الثانية ضد محور العنصرية النازية والفاشية الإيطالية، دع عنك المبادئ الأربعة عشر التي بادر إلى طرحها الرئيس الأسبق ودرو ويلسون في عام 1918 مبشرا بعد انقضاء الحرب العظمى الأولى بعالم جديد يقوم على أساس الحق والحرية وتقرير المصير..
وكان هؤلاء المفكرون والكتّاب يحذرون المحافظين الجدد ونزعتهم الإمبراطورية واستعلاءهم الإمبريالي من الإمعان في تلك النزعات فضلا عن الركون إلى حياة الترف وتكريس الكماليات والاستسلام المرضي إلى نزعة الاستهلاك إلى حد الإهلاك سواء بالنسبة للموارد الطبيعية أو بالنسبة للبيئة والمناخ فوق كوكب الأرض، مع محاولة تجميل هذا كله،
بالأدق تمويهه أو تزويقه باستغلال ماكينات الدعايات ودوائر اللوبي، وهي أساليب تنطوي على الكذب مع ذلك يلاحظ كاتب آخر اسمه والت إيزاكسون - في نقده لكتاب كلن ميرفي - أن هذه المقارنة بين إمبراطورية روما التي انهارت وبين السوبر - إمبراطورية التي يجسدها الكيان الأميركي المعاصر يمكن أن تؤدي بأميركا إلى مصير بائس - بقدر ما يمكن أن تجنبها
سوء المصير إذا ما استقت العبرة أولا من مصير الرومان وثانيا إذا ما تأملت ذاتها وشحذت همتها وعاودت مسيرة إيجابية تعيد إلى الحياة من جديد روح التعايش والتعاون والتفاعل الإنساني البنّاء سواء على صعيد مواطنيها في الداخل أو على صعيد علاقاتها مع العالم الخارجي.
كاتب مصري