على ما يبدو أن كل المحاولات التي بذلت من أجل تفجير الأوضاع في لبنان منذ اغتيال الحريري حتى الآن قد باءت بالفشل، ولم يعد هناك أمل لدى أعداء السلام والاستقرار في لبنان سوى تطبيق سيناريو الحرب الحديثة الذي أصبح معروفا للجميع والذي أثبت نجاحه الباهر في يوغوسلافيا وأطلق عليه «البلقنة»، وجاري تنفيذه أيضا «بنجاح» في العراق ويمكن تسميته بالعرقنة،
وقد حان الوقت الآن لإطلاق سيناريو «اللبننة» بعد أن ثبت للأعداء أنه لا أمل في تفجير الأوضاع في لبنان وأن حوارات وصدامات ومهاترات ومزايدات كافة الفصائل والطوائف اللبنانية لن تسفر عن شيء سوى إضاعة الوقت وتفويت الفرصة تلو الفرصة دون إشعال الساحة اللبنانية وفرض المخططات الأجنبية.
لقد خرج الشبح الخفي من تحت العباءة لينشر الرعب والموت والخراب في ربوع لبنان، وأتى من الشمال يحمل الهوية الإسلامية التي من البديهي أنها «سنية» لتلائم الوضع اللبناني وتمهد في المستقبل القريب للصدام المتوقع مع المقاومة اللبنانية الشيعية في الجنوب،
وسيدفع الشعب اللبناني وكل القوى السياسية الموجودة على الساحة هناك الثمن غاليا لأنهم لم يتفقوا وأضاعوا العديد من الفرص للحيلولة دون انفجار الأوضاع هناك، وأيضا سيدفع العرب جميعا وخاصة الدول القريبة والمجاورة الثمن في المستقبل غاليا لأنهم لم يبذلوا الجهد المطلوب لحسم النزاعات في لبنان.
الشبح الذي انطلق في لبنان ليس إسلاميا ولا يمت للإسلام بصلة، وليس فلسطينيا البتة، ولا يوجد لدى الفلسطينيين هذه القوة والشراسة والسلاح لتنطلق من مخيم بائس للاجئين لمواجهة جيش دولة، ولا مصلحة ولا أي مبرر للفلسطينيين لخوض مثل هذه المغامرة، وهذا الشبح أيضا ليس سورياً وليس لدمشق أية حاجة له ولديها علاقاتها مع المقاومة المنظمة والمعترف بها في لبنان والممثلة في حزب الله،
ولا يمكن لسوريا أن تدعم قوة مسلحة سوف تصطدم بالقطع آجلا أو عاجلا مع حزب الله، وما نسمعه من بعض السياسيين اللبنانيين من اتهامات لسوريا يعكس مدى السذاجة السياسية ويذكرنا بالضبط بالذين ينسبون ما يحدث في العراق لقوى مدعومة ومتسللة من دول مجاورة.
لقد بدأ مسلسل «اللبننة» بداية قوية بعشرات من القتلى وباستخدام مكثف لأسلحة ثقيلة وحديثة تعكس مدى الاستعداد المسبق من جهات كبيرة خارج الساحة اللبنانية والعربية كلها لتنفيذ هذا المخطط بعد أن ثبت لهم مدى نجاحه في البلقان والعراق، ولن يتوقف هذا المسلسل في لبنان ولن يعود الشبح الذي انطلق إلى حيث أتى، ولن تفيد أية مساع لوقف إطلاق النار ووقف المسلسل،
وذلك لسبب بسيط، وهو أن الشبح الذي انطلق من مخيم نهر البارد مجهول الهوية والعنوان ولا ينتمي لهذا المخيم ولا لأي بقعة سواء في لبنان أو في فلسطين أو سوريا أو غيرها من البقاع العربية، إنه شبح (المرتزقة) الذي وصفه البعض مؤخرا بأنه أحدث الأسلحة في الحروب الحديثة، إنه السلاح الذي سبق استخدامه بنجاح كبير في البلقان وأسفر عن تقسيم يوغوسلافيا إلى دويلات صغيرة،
وكشفه مؤخرا حكم محكمة العدل الدولية التي برأت الصرب من دماء ومذابح المسلمين في البوسنة وكوسوفو بعد أن ثبت لها بالأدلة أن الذين نفذوا المذابح هم من المرتزقة الذين جلبهم الأميركيون والبريطانيون إلى البلقان، وبعد أن ثبت لهم أن قائد جيش تحرير كوسوفو الذي كان يحارب الصربيين هو ضابط صربي متقاعد اعترف بأنه مأجور وتم الاتفاق معه في لندن.
ومؤخرا انكشفت فضيحة «بلاك ووتر» ولعبة المقاومة العراقية التي قتلت مئات الآلاف من العراقيين من السنة والشيعة بعد أن كشفت التقارير الأميركية دور جيوش المرتزقة الذين يزيد عددهم عن مئة وعشرين ألفا من مختلف الجنسيات والذين اتفق معهم البنتاغن الأميركي ونقلهم إلى العراق ليثيروا الرعب والقتل والدمار في كل المدن والربوع العراقية.
لقد وصل المرتزقة إلى لبنان و دخلوه من الأبواب الخلفية و قرروا الانطلاق من المخيمات الفلسطينية البائسة البريئة حتى يضربوا أكثر من عصفور بحجر واحد، والمصير المتوقع هناك ربما - للأسف - قد يكون أسوأ بكثير
مما حدث في الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات، وسنسمع أسماء إسلامية كثيرة وجديدة لم نسمعها من قبل على الساحة اللبنانية مثل فتح الإسلام وحماس لبنان والجهاد اللبناني وغيرها، ونتوقع أن نسمع قريبا عن فرع «القاعدة» في لبنان.
وسنشاهد الكثير من الملثمين المسلحين على الساحة اللبنانية على شاشات الفضائيات يلقون بياناتهم وينفذون عملياتهم ويذبحون ويقتلون، ويقولون انهم مكلفون من العناية الإلهية لتنفيذ حكم الله في الكفار، ومع تصاعد الأحداث ستبدأ الساحة العربية في إدارة ظهرها للبنان وتركه يلقى مصيره المشؤوم مثلما فعلت مع العراق.