لتمت الصحافة الاقتصادية بغيظها من تفوق مكاتب العلاقات العامة في الشركات والهيئات والمؤسسات الحكومية في الدولة، ولتعبس وتكدر وجوه الصحافيين الاقتصاديين، وهم يرون أن هذه المكاتب قد نجحت بسلاسة وببراعة تحسد عليها في خطف مهنة الصحافة منهم، بل وسلبت منهم ملكة الإبداع والابتكار التي تعتبر شرطا لازما لتفوق العمل الصحافي، ونزعت كذلك منهم الرغبة في البحث والتجديد والتطوير.
وبالتالي، نجح موظفو العلاقات العامة في تكتيف الصحافيين الاقتصاديين بالحبال الحريرية التي جعلتهم ـ وبمحض إرادتهم ـ يغرقون في سبات الاستسهال، بحيث صار دورهم يتمحور حول الاطلاع اليومي على محتويات البريد الإلكتروني لمعرفة ما يخزنه من أخبار وتقارير مرسلة من مكاتب العلاقات العامة.
ولتتمالك الصحافة الاقتصادية مشاعر الغيظ من نجاح مكاتب العلاقات العامة في بلورة رؤاها وتصوراتها حول دورها في التسويق والترويج لقصص النجاح في الدولة، ووضع الرتوش والألوان على ما قد يظهر على السطح من بثور حتى تظهر الصورة أمام العيان في غاية الجمال والروعة، فيما تدور الصحافة الاقتصادية في متاهات البحث عن الدور والوظيفة.
وينبع نجاح مكاتب العلاقات العامة من انسجامها وتمشيها مع طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة والتي تتمثل في بناء نموذج للنمو والازدهار الاقتصادي قابل للتطبيق في دول أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، ويعد تشكيل المدركات والتصورات مسألة حيوية لجعل هذا النموذج راسخا في المخيلة والأذهان.
بحيث يكون لهذا النموذج علامته التجارية التي تجوب الأفق في مشارق الأرض ومغاربها، ويكون له كذلك نكهة ومذاق مميزان، ويتطلب تحقيق مثل هذه المهمة الحيوية، ضرورة العمل على التأثير على العقول من خلال البراعة في استخدام تكنيكات تشكيل المدركات والتصورات، حتى تتشكل في العقول صورة عن هذا النموذج تكون عاملا محفزا على تحقيق المزيد من القفزات.
وهنا، يبرز دور مكاتب العلاقات العامة في تشكيل الصورة عن نموذج التقدم في الدولة، حيث أنها تعمل عبر ما تبثه من اخبار وتقارير على التواصل والتخاطب مع العقول على مختلف مشاربها ومستوياتها، وفي بعض الأحيان، تبرع هذه المكاتب في عملية الترويج والتسويق إلى حد إنشاء تصورات عن مشروعات قيد التنفيذ، أي أنها لم تقم من الأصل.
وفي مقابل وضوح الرؤية لدي مكاتب العلاقات العامة بشأن مهامها وأدوارها، تتبلد الرؤية لدى الصحافة الاقتصادية، فهي تتأفف وتستعلي على وظيفة الترويج والتسويق، وتنظر إلى أنشطة مكاتب العلاقات العامة من أبراج عاجية، وفي نفس الوقت، تتباكى على الأدوار التي تنهض بها الصحافة الاقتصادية في دول العالم المتقدم، كما لو كان المطلوب أن تكون الصحافة «قص ولزق» للممارسات والمبادئ الصحافية الموجودة في الدول الأخرى.
وإذا كانت الصحافة بشكل عام تعد مرآة عاكسة لمجتمعها من ناحية درجة تطوره وثقافته وقيمه وعاداته وتقاليده، فمن غير المتصور أن تنهض الصحافة بمسؤوليات وادوار متطابقة ومتماثلة، وبالتالي، لا يوجد ما يستدعي أن تجلد الصحافة الاقتصادية نفسها بسبب عدم ضلوعها بأدوار غير مطلوبة، بل يجب أن تجلد ذاتها لعدم قيامها بأدوار مطلوبة في سياق النسق الاقتصادي والاجتماعي والاقتصادي.
ويكمن الخطر الذي يحدق بالصحافة الاقتصادية في المنظرين للإعلام الجماهيري، فهم يستقون أحكامهم وتقديراتهم من النظريات والمناهج الغربية والتي ربما تكون صالحة لبعض المجتمعات، وغير صالحة لمجتمعات أخرى.
وربما تستلزم طبيعة المرحلة الحالية أن تقوم الصحافة الاقتصادية بمهام الترويج والتسويق، وربما تستلزم أيضا النظر إلى هذه الأدوار بعين التقدير والاحترام، وذلك حتى تصبح عاملا ايجابيا في بناء النموذج، وبالتالي، تستعيد من مكاتب العلاقات العامة دورها ووظيفتها، وتنفض عن نفسها غبار التردد والارتباك.